التكبّر بالعلم: حين يتحوّل النور إلى غرور

4 مايو 2026

د. صلاح الدين المراكشي

إمام وخطيب مؤطر ديني بفرنسا

من المؤلم أن ترى من يظنه الناس منارة علم، وقد أطفأ الكبر نوره، وغلب عليه الزهو حتى أنسته المعرفةُ حقيقتها. رأيتُ مؤخرًا أحد هؤلاء ممن يُشار إليهم بالبنان، فإذا به يكرّر سلوكًا لا يليق بمن يحمل شيئًا من العلم، فضلًا عمّن يُشار إليه بوصف “العالِم”! العلم الحقيقي يورث تواضعًا، لا استعلاء. فكم من جاهلٍ ستر تواضعُه نقصَه، وكم من عالمٍ أضاع الكبرُ فضلَه.

وليس غريبًا أن نقول: جاهلٌ متواضع، خيرٌ من عالمٍ متكبّر. التكبّر بالعلم من أسوأ ما يُبتلى به طالب أو معلّم؛ إذ يرى صاحبُه نفسه فوق الناس، فيحتقر آراءهم، ويزدري قدرهم، ويعاملهم من علٍ كأنما العلم رفعه إلى طبقةٍ أخرى من الخلق. بعض هؤلاء لا يكتفي بذلك، بل يطلب من الناس علنًا أن يُظهروا له التبجيل، ويقبّلوا رأسه ويديه، ويُجِلّوه في مجلسه وكلامه، كأنما الأدب يُطلَب لذاته لا لِما يرمز إليه من احترامٍ متبادل.

وهذا هو الخلل بعينه. فالعلم الذي قرأه صاحبه في بطون الكتب كان يجب أن ينعكس سلوكًا قبل أن يتحول إلى مطلب. إذ ما فائدة من يحفظ نصوص “آداب المتعلّم مع المعلّم”، وهو لم يتعلّم بعد “آداب العالم مع نفسه”. كُتُب العلماء القدامى لم تغفل هذه الثنائية الجميلة بين الشيخ والتلميذ، كما في “الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع” للخطيب البغدادي، و”تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم” لابن جماعة.

كلاهما جمع بين الأدب المتبادل، لا الأدب المفروض من طرفٍ على آخر. إن الأسلاف رحمهم الله تأدبوا مع شيوخهم لا خوفًا ولا نفاقًا، بل لأنهم رأوا فيهم القدوة قبل الدعوة، ووجدوا في سمتهم من الخشية ما يُلهم الاتباع قبل الكلام. أما اليوم، فكثير ممن تصدّروا المجالس أضاعوا تلك الهيبة، لأن الكِبر طغى على العلم، فأفقده الحلاوة والتأثير. العلم الصادق يُصلح القلب قبل أن يملأ الرأس، ويورث صاحبه خشيةً كما قال الله تعالى: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) فاطر الاية : 28 ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما ازداد علمًا بربه، ازداد تواضعًا لعباده، ورفقًا بخلقه، وشكرًا لخالقه. أما من غلبت عليه نزعة الاستعلاء، فغالبًا ما يقوده ذلك إلى أمرين: الغرور بالنفس وحب الظهور. وهما داءان كافيان لإفساد أي نية خالصة أو علمٍ نافع. ولعلّ أجمل ما قيل في هذا المعنى قول شيخ المالكية الإمام أبي عثمان ابن الحداد المغربي: ” ما صدَّ عن الله مثل طلب المحامد وطلب الرفعة ” [ انظر: سير أعلام النبلاء 214/14 ] ويقول ابن القيم رحمه الله : من علامة الشقاوة أن يُزاد العبد علمًا فيُزاد به كبرًا وتيهًا [ الفوائد ص: 155 ] قد يُسارع البعض إلى تأويل هذه الكلمات على أنها غيرة من عالمٍ أو حسدٌ لطالب علمٍ نال شهرة أو مكانة. لكنها ليست كذلك، بل هي وقفة مراجعة، ودعوة صادقة لكل من تصدّر للناس أن يراجع نيّته : أهي لله أم للمكانة؟ فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يدعُ إلى العلم لذاته، بل استعاذ من “علمٍ لا ينفع”! والعلم الذي يدفع صاحبه إلى الترفّع والتعالي هو بالضرورة من هذا النوع الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم.

إن العلم الحقيقي لا يصنع من الإنسان متكبّرًا، بل يعلّمه التواضع والرفق، ويجعله أقرب إلى الناس لا أبعد عنهم. ومن ظنّ أن مكانته تُقاس بعدد من يجلس بين يديه أو بعدد المريدين حوله، فقد فاته أن العبرة ليست بمن يسمع، بل بمن يتأثر.

فاللهم ارزقنا علمًا نافعًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا صادقًا، وجنّبنا العُجب والكِبر، واجعلنا من الذين يعلّمون ليُصلحوا، لا ليُظهروا.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“مالي” جزء من الأمن الاستراتيجي للمغرب

يتابع المغرب، بكثير من الحذر والانتباه، التطورات الجارية في مالي وإقليم الساحل، لأن ما يحدث في هذه المنطقة يدخل ضمن التحولات المؤثرة في مجاله الحيوي، بالنظر إلى موقع مالي في قلب فضاء جيوسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتنافس الإقليمي ومسارات النفوذ الدولي، بما يجعل أي تحول ميداني أو سياسي داخلها […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...