تعايشك مع غيرك لا يُنسيك تعايشك مع بني ملتك

15 أبريل 2026

د. صلاح الدين المراكشي

في إحدى خطبي، بمناسبة افتتاح مسجد جديد بفرنسا يحمل اسم “التسامح والعيش المشترك”، آثرت أن يكون حديثي منسجمًا مع هذا العنوان، خاصة وقد كانت خطبي السابقة ضمن سلسلة تناولت “التسامح”، لتكون هذه الخطبة ختامها بالحديث عن “العيش المشترك”.

لقي الموضوع تفاعلًا ملحوظًا، لا سيما عندما توقفت عند نقطةٍ أراها تمسّ واقعنا مباشرة، وكأنها – كما يُقال – قد أفاضت الكأس. ذلك أن الحديث عن العيش المشترك أو التعايش، هو في ظاهره عنوان جميل، واسم نرجو أن يعكس المسمّى، لما يحمله من معاني الرحمة والانفتاح والإحسان إلى الغير. وقد أكدتُ في الخطبة على أن التعايش مع الآخر قيمة أصيلة في الإسلام. غير أنني طرحت تساؤلًا جوهريًا: لماذا نُحسن التنظير للتعايش مع الآخرين، ونرفعه شعارًا في الخطب والمقالات، بينما نقع في المقابل في تقصيرٍ واضح، خصوصًا في التعايش مع أبناء ملتنا؟

هذا التساؤل قادني إلى أصلٍ عظيم، مفاده أن التعايش لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل، وأن الأقرب أولى بالمعروف، وأحق بحسن الصحبة، وأجدر بأن تُطبّق معه القيم قبل غيره. عند الرجوع إلى الهدي النبوي، نجد أن ترتيب الأولويات واضحٌ لا لبس فيه. فقد أُمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) الشعراء الاية : 214 وهذا التوجيه يشمل كل مجالات الإصلاح: في الدعوة، والنصح، والتعايش؛ حيث يبدأ بالأقربين قبل الأبعدين. وهذا ليس مجرد ترتيبٍ زمني، بل هو منهجٌ متكامل: فنجاح الإنسان في التأثير والتعايش مع الأقرب، هو الأساس الذي يُبنى عليه نجاحه مع الأبعد. ومن الأحاديث العميقة الدلالة في هذا السياق، قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم : ” شرّ الطعام طعام الوليمة، يُدعى لها الأغنياء ويُترك الفقراء… ” (متفق عليه).

هذا الحديث لا يتحدث عن الطعام فحسب، بل يكشف عن خللٍ في الميزان الاجتماعي؛ حين يُقرَّب الأبعد لغناه، ويُهمَّش الأقرب لفقره، مع أنه أولى بالعناية والرعاية. إن لهذا الخلل صورًا متعددة في واقعنا، حيث نلحظ أحيانًا مفاهيم مقلوبة للتعايش، منها:

أن نُحسن إلى الجار البعيد، ونُسيء إلى الجار القريب، وأن نُجامل غيرنا، ونقسو على من هو منا، وأن نرفع من شأن الآخر، ونحط من قدر بعضنا! كما يظهر هذا الخلل حتى بوضوح حين تتبنى بعض المدارس الفكرية أو التيارات الدينية خطابًا يدعو إلى التعايش مع الآخر، بينما تعجز في واقعها عن تحقيق هذا التعايش داخل محيطها القريب؛ فلا تُحسن التعامل مع أبناء الدار، ولا تُراعي الثوابت،

بل قد تُسهم في إثارة التشويش وزعزعة الصف. وهذا التناقض يدل على أن الخلل ليس في مبدأ التعايش، وإنما في فهمه وتطبيقه. هذا الواقع لا يعكس حقيقة التعايش، بل يكشف عن اضطرابٍ في ترتيب القيم. بل إن الأخطر من ذلك، أن بعض المسلمين قد يُتقن التعايش مع غير المسلمين في المجتمعات الغربية، بحكم القوانين والمصالح المشتركة، لكنه يفشل في التعايش مع إخوانه، رغم أنهم يجتمعون على أعظم قاسمٍ مشترك: التوحيد. ومن هنا، فإن من لم يستطع تجاوز خلافاته مع أبناء ملته، ولم يتمكن من إيجاد مساحات مشتركة معهم، فإن تعايشه مع غيره لن يكون في الغالب إلا تعايشًا مصلحيًا، تحكمه الظروف لا المبادئ.

إن التعايش مع الآخر مطلوب، بل هو من محاسن هذا الدين، لكنه لا يعني التفريط في الداخل. كما أن العناية بالقريب لا تعني الانغلاق عن العالم. وإنما المطلوب هو تحقيق التوازن: نبدأ بالأقرب عنايةً وإصلاحًا، ثم ننفتح على الأبعد عدلًا وإحسانًا، وإذا أردنا ميزانًا دقيقًا نزن به مفهوم التعايش، فلن نجد أعدل ولا أصدق من سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقد جسّد التعايش في أسمى صوره؛ فأحسن إلى غير المسلمين، وعاهدهم، وتعامل معهم بالعدل، لكنه في الوقت ذاته بنى مجتمعًا متماسكًا من المؤمنين، قائمًا على الأخوة، والرحمة، والتكافل.

وفقنا الله لحسن القول والعمل.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

هل انتصرت إيران؟

عمر العمري لا جدوى من الإغراق في الجدل حول من انتصر في الحرب التي دارت بين إيران وخصومها، لأن العبرة الحقيقية بعد انقضاء الحروب لا تكون بكثرة الادعاءات، وإنما بمن يخرج منها حاصدا للمكاسب والمغانم.. الأكيد أن إيران خرجت من هذه الهدنة (لاتزال هشة)، في محصلتها النهائية، متقدمة في الميزان الاستراتيجي، لأن خصومها لم ينجحوا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...