معضلة الغضب أثناء قيادة المركبات في شهر رمضان

3 مارس 2026

د. صلاح الدين المراكشي

إن من نعم الله علينا ما يسَّره لنا من وسائل النقل الحديثة من المركوبات من سيارات وحافلات ودراجات نارية وغيرها التي قرَّبت البعيد، وخففت المشقة، وجعلت الانتقال بين المدن يسيرًا ميسورًا، -فله سبحانه الحمد والشكر-. غير أن هذه الوسائل نفسها قد تتحول – بسوء الاستعمال والتهور – إلى نقمةٍ وأداة هلاك، والواقع شاهدٌ يومي على حوادث تُفجع الأسر، وتُيتم الأطفال، وتترك في القلوب جراحًا لا تندمل.

إن احترام قوانين السير ليس مجرد التزامٍ مدني، بل هو التزامٌ ديني وأخلاقي، لأن الإسلام جاء بحفظ الضرورات الخمس، وعلى رأسها حفظ النفس. وقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم قاعدة عظيمة بقوله : ” لا ضرر ولا ضرار ” فلا يجوز أن نعرض أنفسنا ولا غيرنا للخطر بسبب سرعةٍ زائدة، أو انشغالٍ بالهاتف، أو تجاوزٍ متهور، أو وقوفٍ عشوائي يعطل الناس ويؤذيهم. بل إن الإسلام جعل إماطة الأذى عن الطريق صدقة، فقال صلى الله عليه وسلم ” وإماطة الأذى عن الطريق صدقة ” فكيف بمن يضع الأذى في الطريق بسوء قيادته واستهتاره ووقوفه العشوائي وسط الطريق؟ إنَّ أخطر ما في الطريق ليس السيارة، بل في السائق نفسه إذا استسلم لغضبه. ومن النصائح النبوية ” لا تغضب ”

وقوله صلى الله عليه وسلم ” ليس الشديد بالصرعة انما الشديد من يملك نفسه حال الغضب ” إنَّ القوة الحقيقية لا تكمن في الضغط على الفرامل، أو زيادة السرعة، أو رفع الصوت بالصراخ ولوم الآخرين وتحميلهم الخطأ، بل تكمن في ضبط النفس وكبح جماح الغضب عند الاستفزاز، واختيار الهدوء والحكمة في التعامل مع الموقف بدل الانفعال.

كم من حادثٍ كان سببه كلمة ! كم من شجارٍ في الطريق تحوّل إلى مأساة بسبب لحظة انفعال! وإذا كان ضبط الغضب مطلوبًا في كل وقت، فإنه في رمضان آكد وأعظم. فالصيام ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو تدريبٌ عملي على التحكم في النفس، خاصة عند الجوع والتعب وقرب موعد الإفطار، حيث يشتد الزحام وتضيق الأعصاب.

قال صلى الله عليه وسلم: ” الصيام جُنّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم ” فالطريق في رمضان ميدان اختبار حقيقي : هل يزيدنا الصيام صبرًا، أم يكشف ضعف تحكمنا؟ هل نختار الهدوء، أم نسمح للجوع أن يتحول إلى غضب؟

حتى إن الدراسات الحديثة تشير إلى أن انخفاض مستوى السكر في الدم قد يضعف التحكم في الانفعالات، لكن الصيام يقلب المعادلة؛ فهو يحوّل الجوع من سببٍ للغضب إلى وسيلةٍ لتزكية النفس. يُروى عن عبد القادر الجيلاني أنه شبّه الغضب بجمرةٍ في يد صاحبها، فإن لم يلقها أحرقته قبل غيره. وهكذا الغضب خلف المِقْوَد: إن تمسكت به أحرقت أعصابك، وربما أحرقت مستقبلك، وإن ألقيته جانبًا سلمت وسلم غيرك. وقد قيل: من يستطيع إغضابك يستطيع هزيمتك. لأنك إن منحت الناس مفتاح أعصابك، فقد سلّمتهم زمامك. يُحكى عن الإمام أبو حنيفة النعمان أن رجلًا شتمه وهو يدرّس، فصبر حتى انتهى، ولم يرد عليه، ثم قال لطلابه: “أنا بين خيارين: أن أتعلم الصبر أو أتعلم الندم، فاخترت الصبر.” وهكذا نحن ايضا في الطريق بين هذين الخيارين: إما صبرُ لحظات، أو ندمُ سنوات.

فاللهم ارزقنا حلمًا عند الغضب، وصبرًا عند الزحام، وسلامةً في الطريق، وقبولًا في الصيام. والله تعالى أعلم

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...