30 أغسطس 2025 / 10:52

وهم المتابعين والتأثير في مواقع التواصل الاجتماعي

عبد الله القيسي. باحث يمني 

من أغبى ما رُوِّج في زمن المنصات الرقمية أن التأثير يُقاس بعدد المتابعين والإعجابات، وأن صاحب الأرقام الأعلى هو الأكثر تأثيراً.

والحقيقة أن تلك الأرقام والاعجابات معايير ظاهرية لا تعكس الجوهر، ولو أعيد تحليلها بجدية لانكشفت هشاشتها وتهافتها.

لا يمكن اعتبار أي محتوى مؤثراً إن لم يكن قائماً على فكرة أصيلة متسقة ومتماسكة. فالتأثير الحقيقي لا يصنعه تكرار ما هو شائع ولا إعادة تدوير ما هو مستقر، وإنما يُبنى على مضمون يملك قوةً في ذاته. أما الشهرة والإعجاب الكثيف فهما مجرد تضخيم لما هو موجود أصلاً، سواء أكان تافهاً أو غير تافه.

المؤثر الحق هو من يقدّم إضافة نوعية، أو يبتكر رؤية جديدة تُحدث ولو أثراً بسيطاً في البداية، لكنه مع الأيام يتصاعد ويترسخ، وقد يبلغ ذروته حتى بعد موت صاحبه. أما الاكتفاء بتثبيت ما هو قائم فليس تأثيراً بالمعنى العميق، وإنما هو خدمة للحالة السائدة.

والواقع أن غالبية من يُسمَّون اليوم “مؤثرين” ليسوا إلا مكرّسين لثقافة التفاهة، يسوّقون ما يخدم مصالح المؤسسات الكبرى، بما فيها منصات التواصل نفسها التي صُمّمت خوارزمياتها لتغذية هذا الاتجاه وتضخيمه.

وفوق ذلك، فإن كثيراً من الأرقام التي تُعرض من مشاهدات وإعجابات ومتابعات ليست حقيقية، إذ يُصنع أغلبها عبر الذباب الإلكتروني والتطبيقات وأسواق بيع المتابعين. بينما نجد أصحاب الأثر الحقيقي أرقامهم متواضعة، لأن التأثير لا يُقاس بالكمّ الرقمي، فكم من قارئٍ أو مستمعٍ تأثر بعمق ولم يترك أثراً، لا بإعجاب ولا بتعليق ولا بمشاركة.

إنّ الركون إلى هذه الأرقام باعتبارها معياراً للتأثير خدعة كبرى، وقعت ضحيتها كثير من المؤسسات الحكومية والخاصة، حتى صارت تستقبل هؤلاء “المشهورين” وتضعهم في الصدارة، بل وتمنح بعضهم مناصب ومكانة اجتماعية، فتسهم –من حيث لا تشعر– في تعظيم التفاهة وترسيخها.

إذن، فالتأثير الحق لا يُقاس بكثرة المتابعات ولا بتراكم المشاركات، وإنما يُقاس بقدرة الفكرة على اختراق الوعي، وبقوة المحتوى في تشخيص المشكلات، وجرأته في طرح الأفكار الأصيلة المبدعة، وصلابته في مواجهة الأخطاء المترسخة في المجتمع، حتى ولو اصطدم بالسلطة أو بالتيار العام.