وليد الركراكي: فيلسوف الجماعة المغربية 

10 يناير 2026

محمد خياري

حين خرجت جماعة من الشباب إلى الشوارع، في لحظة من لحظات التوتر الاجتماعي، تصرخ: «ما بغِيناش كأس العالم، الصحة أولًا». كان ذلك الصوت تعبيرًا ملحا عن جراح لم تندمل، وعن أولويات لا يمكن أن تُمحى من الذاكرة الجماعية. كان احتجاجًا يختزل معاناة الناس أمام واقع اقتصادي واجتماعي ضاغط، ويعلن أن الفرح لا يمكن أن يُبنى على حساب الجسد المتعب والروح المثقلة. لكن المشهد سرعان ما انقلب، فإذا بالشعب بأكمله يملأ الساحات مردّدًا: «الشعب يريد كأس إفريقيا». هذا التحوّل المذهل لم يكن مجرد تبدّل في الشعارات، بل كان انعكاسًا لقدرة كرة القدم على أن تكون لغة جامعة، جسرًا يربط بين الأحلام والواقع، بين الفرد والجماعة، بين الجرح والأمل.

كرة القدم في المغرب ليست مجرد رياضة؛ إنها مسرح تتجلّى فيه الوطنية الحقيقية، فضاء يلتقي فيه الفقير والغني، الطالب والعامل، الرجل والمرأة، ليهتفوا بصوت واحد ويشعروا بأنهم أجزاء من حكاية أكبر من ذواتهم. كل مباراة فصل جديد في كتاب الوطن، وكل هدف سطر يُكتب بمداد من الفرح والكرامة. المنتخب الوطني لكرة القدم ليس فريقًا فحسب، بل هو صورة مكثّفة لشعب بأكمله، مرآة عاكسة لأحلامه وآلامه، انتظاراته وتناقضاته.

من بعيد، قد يظن الغريب أن المغرب بلد على حافة الانفجار؛ أصوات احتجاج تتعالى، قلق يطفو على السطح، توترات اجتماعية لا تخفى. لكن ما إن يطلّ من النافذة على هدير الجموع، حتى يكتشف أن تلك الأصوات ليست غضبًا فقط، بل فرحة عارمة بفوز فريق محلي، ضحكات وأهازيج وأعلام ترفرف. فيدرك أن المغرب بلد يوازن بين الغضب والأمل، بين الصراع والاحتفال، بلد يصرّ على أن يجعل من الفرح لغة يومية حتى في قلب الأزمات. هذا التناقض الظاهر هو سرّ المغرب، سرّ شعب يبدو من بعيد عاديًا، لكنك ما إن تقترب منه وتتمرّغ في ترابه حتى يأسر قلبك بجماله وطيبة أهله.

من يبحث عن شفرته يجدها في التوابث الجامعة: في اللغة والدين والذاكرة المشتركة، في الحكايات الشعبية والصلوات الجماعية، في الأسواق العتيقة والجبال الشامخة، في البحر الذي يفتح أبوابه على العالم، وفي الصحراء التي تحفظ أسرار الأجداد. ومن يبحث عن سرّ استقراره ونموّه البطيء المطّرد، يجده في تلك الروح التي لا تنكسر، وفي ذلك الإيمان العميق بأن الزمن، مهما طال، سيحمل معه ثمار الصبر.

في قلب هذه الملحمة يقف وليد الركراكي، الرجل الذي تحوّل إلى رمز، إلى قائد ملهم قبل أن يكون مدرّبًا. اسمه ذاته يحيل إلى «ركراكة»، أولئك السبعة الأوائل الذين تقول الرواية إنهم لقوا الإسلام في بداياته وحملوا بشارته إلى المغرب، فصاروا رمزًا للفتح الروحي والبركة. بهذا المعنى، يصير وليد امتدادًا لتلك السلسلة الرمزية: من رجال حملوا نور الدين إلى أرض المغرب، إلى رجل يحمل اليوم نور الثقة والنية إلى قلوب الجماهير.

الركراكي ليس مجرد مدرّب يضع الخطط التكتيكية؛ إنه فيلسوف يقرأ عقلية هذا الشعب، دارس لنفسيته، مفسّر لرموزه. كلامه زاخر بالحكمة، كأنه يستخرج من التجربة اليومية دروسًا وجودية، كأنه يترجم نبض الجماهير إلى لغة يفهمها اللاعبون، ويربط بين الملعب والشارع، بين الفوز والكرامة. هو قائد يجعل الخصم يعترف به قبل الصديق، رجل يفرض احترامه حتى على من لا يريد أن يحترمه، لأنه يملك تلك القوة الهادئة التي لا تحتاج إلى صراخ لتثبت نفسها، قوة تنبع من الإيمان العميق بالناس وبالوطن.

لقد تعرّض الركراكي لتبخيس كبير من الذين لا يرون في النجاح سوى صدفة، ولا يعترفون بالجهد والإيمان. لكنه ظل ثابتًا على عهده، والمؤمن لا يخيب، لأنه يعلم أن الطريق طويل، وأن الانتصار الحقيقي ليس فقط في رفع الكؤوس، بل في زرع الثقة في النفوس، وفي جعل الناس يؤمنون بأنهم قادرون على الحلم، وأنهم يستحقون الفرح. الركراكي أعاد تحديد معنى القيادة، فجعلها فعلًا أخلاقيًا قبل أن تكون تكتيكًا رياضيًا، واجبًا تجاه الجماعة والوطن والتاريخ. أصبح أكثر من مدرّب؛ أصبح رمزًا لفلسفة جديدة، فلسفة تقول: إن الإيمان لا يخيب، وإن الجماعة أقوى من الفرد، وإن الوطن أكبر من أي أزمة، وإن كرة القدم مدرسة للحياة ومرآة لشعب عظيم.

وليد الركراكي الفيلسوف هو الذي يعلّمنا أن الملعب ليس مجرد فضاء للتنافس، بل هو مختبر للروح، مكان تُختبر فيه النية والثقة، وتُصاغ فيه معاني الكرامة والانتماء. هو الذي يذكّرنا أن الفوز ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لبناء جسور بين الناس، لتوحيدهم حول حلم مشترك، ولإعادة تعريف معنى الفرح الجماعي.

 

في فلسفة الركراكي، النية ليست مجرد قرار داخلي، بل هي فعل روحي يتجاوز حدود الذات، هي العزم الصامت بأن تكون جزءًا من الجماعة، بأن تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. والثقة ليست مجرد إحساس عابر، بل هي جسر يربط الفرد بالجماعة، هي الإيمان بأن الآخر لن يخونك، وأن الوطن لن يتركك، وأن الزمن، مهما طال، سيحمل معه الفرح.

النية والثقة، في نظر الركراكي، ليستا مجرد كلمتين؛ إنهما شيفرة وجودية، هما ما يجعل المنتخب أكثر من فريق، وما يجعل المغرب أكثر من بلد، هما ما يجعل الشعب قادرًا على أن يحلم، وأن يحوّل الحلم إلى واقع. النية هي البداية، والثقة هي الطريق، ومن جمع بينهما لن يخيب، لأنهما سرّ الجماعة وسرّ الوطن وسرّ الحياة نفسها.

وليد الركراكي الفيلسوف هو الذي يعلّمنا أن القيادة مسؤولية، ليست صراخًا، بل هدوءًا عميقًا، ليست فرضًا، بل إقناعًا. هو الذي يذكّرنا أن المدرب الحقيقي هو من يزرع الثقة في النفوس قبل أن يزرع الخطط في الملعب، هو من يجعل اللاعب يؤمن بنفسه قبل أن يؤمن بالكرة، هو من يجعل الجماهير ترى في المنتخب مرآة لذاتها، لا مجرد فريق يركض وراء أهداف.

لقد أصبح الركراكي رمزًا لفلسفة جديدة في المغرب، فلسفة تقول إن الإيمان لا يخيب، وإن الجماعة أقوى من الفرد، وإن الوطن أكبر من أي أزمة. فلسفة تجعل من كرة القدم مدرسة للحياة، ومن المنتخب مرآة لشعب عظيم، ومن النية والثقة شيفرة وجودية ترفع هذا الشعب إلى مقام العزة والكرامة، وتجعله يكتب تاريخه بمداد من نور وإيمان لا ينطفئ.

في النهاية، حين نبحث عن سرّ هذه القوة الغامرة، نجدها مكثّفة في كلمتي الركراكي الجوهريتين: النية والثقة. هما الروح التي ترفع هذا الشعب، وهما الطريق الذي يجعل المغرب قادرًا على أن يحلم، وأن يحوّل الحلم إلى واقع. هما سرّ الجماعة وسرّ الوطن وسرّ الحياة نفسها، وهما ما يجعل وليد الركراكي أكثر من مدرّب، أكثر من قائد، أكثر من رمز؛ يجعله فيلسوفًا يكتب بمداد من الحكمة والروح ملحمة جديدة في تاريخ المغرب.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“الإسلام الإخواني”: النهاية الكبرى

يفتح القرار التنفيذي الذي أصدره أخيرا الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، والقاضي ببدء مسار تصنيف فروع من جماعة “الإخوان المسلمين” كمنظمات إرهابية، نافذة واسعة على مرحلة تاريخية جديدة يتجاوز أثرها حدود الجغرافيا الأميركية نحو الخريطة الفكرية والسياسية للعالم الإسلامي بأكمله. وحين تصبح إحدى أقدم الحركات الإسلامية الحديثة موضع مراجعة قانونية وأمنية بهذا المستوى من الجدية، فإن […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...