وزانُ: المدينةُ التِي تسْكُنُنِي
نص كتبته إثر دعوة كريمة من د.سعيد كوبريت للمشاركة في حلقة خاصة عن مدينة وزان، ضمن برنامجه الجديد على إذاعة طنجة يبث خلال رمضان 1447ه، بعنوان: “مُدُنٌ تَسْكُنُنَا”.
محمد التهامي الحرّاق
-1-
وزانُ بالنسبة لصمتي المبلَّلِ برائحتها، وصوتِي المخَضَّبِ بأنغامِها، وذاكرتِي الموشومةِ بألوانِها، وخيالِي المنفوحِ بصُوَرِهَا، وقلبي المنضبِطِ بوجيبِ صمتها…وزانُ بهذه الاعتباراتِ وغيرِها ليستْ فقط مدينةً ازددتُ على أرضها وتحتَ سمائها، ونشأتُ في أحيائِها ومدارسها، وتروحنتُ بين مساجدها وزواياها؛ إنها ليست فقط جغرافية يصاحبنِي اسمُها في أبدِيَّتي الشخصيةِ على بطاقتِي الوطنية بما هي موطنُ ولادة….؛ إنها ذلكَ نعم، وأكثر. وهو الأكثرُ الذي لا أجدُ صوتًا يقولُه، ولا صمتًا يصونُه، ولا قصيدًا يُرَمّزُه، ولا لحنًا يعزفُه. إنه ذاكَ الأكثر الذي يُزَوْبِعُنِي بالحيرةِ حينَ أرومُ وصفَه.
-2-
لأجلِ هذا، تسكُنني مدينةُ وزان، بقِبَابِها وهَدْأةِ ليلها، بجيرِ أسْوارِهَا وهَديرِ أسواقها؛ من شقوقِ حُروفِها المفصولةِ أستمِدُّ طاقةَ الوِصالِ بالمعنى؛ معنى أن أكونَ هنَا والآن. وبروحِ هذا المعنى تشتغلُ الذاكرة حيّة في يومياتِي، لتنسُجَ ما به ألتذُّ حين ألبَسُ الجلابة الوزانية، أو أتذوَّقُ الزيتَ الوزانية، أو أتباهى بالتّين والزيتونِ الوزانيين، أو أفخرُ بعَلَم أو نَظْم أو نَغَم أو حَدَث أو كتابٍ أو أثرٍ أو إشرَاقٍ أو نجاحٍ وقَّعت به وزانُ اسمَها في ديوانِ عُشّاقها. ويزدادُ شعوري بوَهَجِ إقامةِ وزانَ في دخيلتي العميقة، وهي تَسْقي حُبّيَ لأهلٍ وأصدقاءَ وأساتذةٍ وإخوةٍ في المدينةِ جمّلوا حيَاتِي وعبَّدوا مسَارها، منهم مَن يثوي اليومَ تحت أديمِها الطيِّبِ، ومنهم مَن ينتظر، وما بدَّلوا تبديلا.
-3-
وأصْدُقُكم البوحَ أن مدينةً تُقِيم فيكَ، تحْمِلُها حيثُ سِرْتَ وأينما يمَّمْتَ، لهيَ شريَانٌ ما يفتأ يمدُّك بحياةٍ لا يفنَى ألقُها، ولا يَعْنَسُ رونقُها، ولا ينفدُ معنَاها. لذا، ما فتئتُ أجتهِدُ، قدرَ الاستطاعة لا قدْرَ الحبِّ، في بَثِّ عشْق هذه المدينة في أبنائي وأصدقائي وأحبائي…؛ ومِن ذاكَ أنْ أحدّثَهم عنها بشعريةِ مُتيَّمٍ وأسطُوريةٍ حنينٍ تُغويهمْ بعشقها قبلَ زيارتها، والأذنُ تعشقُ قبلَ العينِ أحيانا؛ أُحَدِّثهُمْ عن اللّقلاقِ الذاكرِ الذي وَرِثَ عن أجدادِه القدامَى الإقامَةَ على قُبَّة ضريحِ مولاي التهامي، وعن الأمِّ التي دأبتْ على تسليمِ رأسِ طفْلها الذي كُنتُه للشرفاء التِّهاميينَ قصدَ حَلْقِ شَعْرهِ بالكليةِ وتبريد صلعتهِ البراقةِ ووجْهِه البريءِ بماءِ الخَوابِي الأقدَس؛ أحدِّثُهم صباحاتِ المدينةِ الباردةِ والحارةِ على إيقاعِ الحزبِ الراتبِ وحزبِ الفلاح للإمام الجزولي بالمسجدِ الأعظم للمدينةِ، أحدثهم عن النجمة القطبيةِ التي تتوجه نحوها قربَ مزار مولاي عبد الله الشريف جدتي وأمي، وهما تتضرعانِ للعلي القدير أن يمنحَ ويحميَ ويحفظَ الأبناءَ من نوائب الزمانِ، ويسلك بهم مسالك النجاة في مجاهيل المستقبل.
-4-
أُحدثُهم عنْ ساعةِ المدينةِ التي تَعُدُّ أعمارَ أجيالِ المدينة وذكرياتِهم بعقاربها المُنْهَكةِ وصفيرِها الرمضاني عند الإفطار والإمساك؛ أحدثهم عنِ الشخصياتِ الوازنةِ التي وطِئتِ المدينةَ حافيةَ الأقدامِ توقيرا لقداسة دار الضمانة؛ أحدّثهم عنْ عشايا الأولياء الذينَ كنتُ أزورُهم، متشبِّثا بـ “جْنَاح” و”حايك” أمٍّ علَّمتني كيفَ أناجي أرواح المقابر والمزارات، وكيفَ أُصغي لأماكنَ كنت أظنُّها أطلالًا بِلا معنى؛ أحدثهم عن ليالٍ بيضاءَ قضيناها استعداداً لامتحانٍ واستشرافا لآمالٍ، وعن قصائدِ عشق بلا وزنٍ أو قافيةٍ تشهَدُ على مخاضِ حُبٍّ أوّل؛ أحدّثهم عن عَرقِ طفلِ في حضرات رقص الكبار على مواجيد الذكر المنَغَّمِ في السماع، وعن اغتباطِ أفراح وأسَى أحزانٍ، وقساوةِ قلةِ يدٍ كان يواجهُهَا آباؤنا بقوةِ إيمانٍ لا يشيخ..أحدِّثهم وأحدّثهم، ثم أصمتُ دونَ أن يتراءى لصَوْتي شَطٌّ أو ساحِل.
-5-
إنها صورٌ تنثالُ على ذاكرتِي فيضًا لا يطيقُه وصفٌ ولا يستنفِدُهُ حرْف. من هنا تمجيدُ شعيرة الصمت، تلكَ التي وحدها تُهَدِّئُ من وجْدِ مدينةٍ ما تفتأ تسكنني. واليوم حين أعودُ في المناسباتِ والعُطَلِ والأعياد، فلأجْلِ تجديدِ الشغف بأرضٍ كُتِبَ جزءٌ من عُمُري بصلصالها، وتشكَّلتْ أطرافُ جسدي مِن زرْعها وضرعها، فومِها وعدَسِها، تينِها وزيتونها؛ ونُفِخت رُوحِي مِن نَفَسِ الإطلاقِ بلطافةِ سرِّها، واستنارتْ حَوَالِكُ سبُلِي في طفولتي وشبابي بأنوارِها، وما خمَدتْ نارُ فِراقِها إلا حينَ سكنتنِي بعدَ أن كُنْتُ مِن سكَّاِنها. فهيَ السَّكنُ والسكينةُ اللذان تَجَدَّدا في وجدانِي بوهَجٍ بلا نظيرٍ، في الفصلِ المطيرِ الأخير.
-6-
ذكَّرَنِي شتاءُ هذا العَامِ بطفولتِي في وزَّان؛ بهديرِ المَاء الجاري بينَ الأزقَّة، وفورانِ الماءِ المنبعِثِ من السَّوَاقِي، والوَحَل الذي كان عبُوُرهُ لحظةَ فُكَاهة طفولية جمَاعية؛ أما موسيقَى قطراتِ الماء على القَصْدير، والتي يرتفِعُ إيقاعُها وينخفض، فتستثيرُ حيرةً لا تخلُو مِن بَهجةِ إيمانٍ، تلك السارية في الألحان الحزينةِ التي تُنشَدُ بها البردةُ الوزانية في الجنائز؛ مُوسِيَقى لهَا وقعٌ فريدٌ في الدَّخِيلة بِلَا مُعَادل، فيما جلُّ البيوتِ يسْرِي فيها الماءُ الإلهي، يسْقي الأغراسَ والمشاتلَ في الصُّحُون، أو يخترق الغُرَفَ القديمةَ التي هَشَّم معمارَها وتجاعيدَ أسْوارها المتهالكةِ تقادمُ الزمان. ففِي الشّتاء يتمطَّطُ الليل، ويأكلُ قسطا معتبَرا من وقتِ النهار، لتقِلّ الحركةُ في الأسواق، وتُغْلِقَ المحلاتُ الموسميّةُ أبوابَها، وتصبحَ صلاةُ المغرب هي الحدّ الأقصى لحركةِ المدينة، حينَ يُنادى للجَمْعِ بين العشاءين بسببِ فيضِ الغيثِ.
-7-
تلك رَشحاتٌ من تقاسيمِ وزانَ في سريرتي؛ ظلالٌ من لوحةِ المشاهدِ الآفلة والمشاعرِ الكامنةِ والمعانِي الساكنة؛ ظلالٌ أتقاسمها مع عصبة عشاقِ المدينةِ؛ أولئكَ الذينَ عبَروا في حياةٍ عابِرة، ذهبوا إلى حيثُ اشتهتْ رياحُ أقدارهم، فغابتْ أشباحُهم، وانطفأتْ ضَحَكاتُهم، وصمتَ أنينهُم؛ تركوا المدينةَ على نغماتِ ودَاعٍ مُؤجّل، فتَغيَّرَت ألوانُ دُورِهم، ولمْ تعُدْ أفراحُهم وأحزانُهم، آمالُهم وآلامهم سوى بياضاتٍ تُفْضي ببعض حنينِها لمن مَرّ مِن هنا ذاتَ ذِكرى، أو كان قافيةً ذاتَ شغفٍ في ديوانِ دار وزان. همْ مثلِ الطيورِ التي لا أحدَ يؤرّخُ لغُربتها في سماءِ المدينةِ، تلك التي هاجرتْ لمّا ضاقتْ بِها رحَابُ السَماءِ، أو لمّا قضَى مَن يَعُولُها؛ كحَالِ حَمَامِ أمّي الذي كان يسكُن فُرْجاتٍ أسوارِ منزلِنا القديمِ، فُرجاتٍ جُعِلَت مأوى مخصوصا لإقامة الحَمامِ يَقيه البَرْدَ والحَرّ، وحين اختطفتِ المنيةُ الأمَّ، وافتقد الحمامُ شعيرةَ العنايةِ، اكتأبَ بغربتهِ فهاجرَ الفُرْجاتِ إلى وجهةٍ لا نَدْرِيها؛ وجهةٍ هي واحدةٌ من ملاذاتِ غرباء المدينةِ؛ مَن يعزفون غربتَهم على قيثارةِ العشقِ، كيما تبوح المدينةُ بترنيمةٍ من حيرَتِها؛ إذْ ذاك فقط تُعلنُ وزانُ أنها لا تفقدُ أحدا، إنهَا فقط تعلِّمُ أبناءَها إذ تسْكنُهم كيفُ يكونُ العشقُ وطنا آخرَ، يعانقُ فيه الغرباءُ مُطلقَ البهاء.
التعليقات