هل نحن كلنا مسلمون؟ تفعيل الفطرة كطريق للإيمان والوعي
كريمة العزيز
هل كلمة “المسلمون” حكر على زمن أو مكان محدد، أم أنها وصف لكل إنسان استجاب لفطرته ووجّه قلبه وعقله نحو خالقه جل جلاله؟ هل يولد الإنسان مسلمًا بالفعل، أم أن الإسلام الحقيقي يحتاج إلى وعي وتدبر حتى يتحول إلى إيمان راسخ؟ وهل الفطرة التي فطر الله الناس عليها مجرد استعداد فطري، أم أنها المفتاح الذي به تُفهم الرسالة وتتحقق الهداية؟
تقودنا هذه التساؤلات إلى إعادة النظر في مفهوم الإسلام باعتباره مسار وعي يتجلى في تفعيل الفطرة، لا مجرد هوية تُكتسب بالولادة أو بالانتماء الاجتماعي، فقد قال عز وجل: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 30).
الفطرة هي أصل الدين القيم، وهي البذرة التي أودعها الله في كل إنسان ليهتدي بها إذا تدبر وتأمل، ويؤكد سبحانه هذا المعنى حين قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا لِئَلَّا تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 172)، فالنداء الإلهي مغروس في كل إنسان على حدة، كما قال سبحانه: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (مريم: 95)، وقال عز من قائل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ: 28)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 21)، فالخطاب موجه لكل إنسان دون استثناء، مما يدل على أن أصل الإسلام متجذر في الفطرة الإنسانية.
الإسلام بمعناه الظاهر هو الاستسلام والانقياد، أما الإيمان فهو دخول هذا الاستسلام إلى أعماق القلب بعد وعي وتدبر، كما ورد في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَـٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: 14)، ولهذا جمع الله بين المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات في قوله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ… أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 35)، ليبيّن أن الطريق واحد ومراتبه متعددة.
الميزان الحقيقي هو الإيمان المقرون بالعمل الصالح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 62). وتفعيل الفطرة يكون بتحريك العقل والقلب معًا، وقد أشار الله إلى آياته في الكون والنفس فقال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: 53)، فالوعي يتنامى حين يتدبر الإنسان آيات الله داخليًا وخارجيًا، والعبادات مثل الصلاة والصوم والحج ليست غاية في حد ذاتها بل وسائل لتزكية الفطرة وتهذيب النفس، كما قال الله عن الصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (العنكبوت: 45)، وعن الصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).
الهدف هو يقظة الفطرة واستجابتها للحق، وطاعة الرسول ﷺ هي طاعة لما بلّغه من عند الله، فقال جل وعلا: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (النساء: 80)، وقال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (المائدة: 92)، وقال جل جلاله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ (الرعد: 40)، فتتضح العلاقة بين الإنسان وخالقه قائمة على وعي الفرد وتفعيل فطرته، والإسلام الحقيقي هو استجابة القلب والفكر لنداء الله، وكل إنسان مدعو لتفعيل فطرته بالتدبر والإيمان والعمل الصالح، فكلما ازداد وعيه بآيات الله واستجاب لها اقترب من معنى الإسلام الكامل، وصارت عبادته طريق ارتقاء، وصار دينه تجربة حيّة واعية تقوم على المعرفة والصدق والعمل.
التعليقات