هل تنجح سياسة تدبير الرأسمال البشري في تحويل المركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا إلى نموذج مؤسسي جديد؟
شكير بوشعيب ـ الكاتب العام للمكتب المحلي الموحد CGT CHUIS
أطلق المركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا، مؤخرًا، ورشًا استراتيجيًا لإعداد سياسة متكاملة ومندمجة لتدبير الرأسمال البشري، في سياق تنزيل توجهاته الاستراتيجية ومواكبة الدينامية الإصلاحية التي يعرفها القطاع الصحي بالمغرب.
وتستند هذه المبادرة إلى قناعة واضحة مفادها أن أي إصلاح مؤسسي حقيقي يبدأ من الإنسان، باعتباره جوهر الفعالية الإدارية وجودة الخدمة العمومية. غير أن التحدي الأساس لا يكمن في صياغة التشخيص، بل في القدرة على تحويله إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ والتقييم. ومن هنا يطرح السؤال: هل تتوفر شروط نجاح هذه السياسة؟
للإجابة عن ذلك، يمكن الاستعانة بتحليل SWOT لرصد عناصر القوة والضعف، واستشراف الفرص والتهديدات التي قد تؤثر في مسار التنزيل.
أولًا: نقاط القوة
تتوفر المبادرة على عناصر قوة تجعل نجاحها ممكنًا إذا ما استُثمرت بحكمة.
أول هذه العناصر يتمثل في التشخيص الشامل والدقيق للواقع المهني داخل المركز، بمشاركة مديري المؤسسات الصحية، ورؤساء الأقسام والمصالح، والأطر الإدارية، مع انفتاح واضح على الصحافة. وهذا المعطى يمنح المشروع مصداقية، ويجعل السياسات المقترحة أقرب إلى الحاجيات الفعلية للموظفين ومتطلبات المرفق العمومي.
ثانيًا، يتوفر الفريق التنفيذي لإدارة المركز على رصيد معتبر من النزاهة والكفاءة، ويحظى باحترام مختلف العاملين. وهذه الثقة ليست تفصيلاً عابرًا، بل هي رأسمال رمزي ضروري لقيادة أي تحول مؤسسي.
ثالثًا، يعكس الانفتاح على الفرقاء الاجتماعيين، وعرض المشروع للتداول قبل إخراجه إلى حيز التنفيذ، إرادة واضحة لاعتماد مقاربة تشاركية بدل فرض تصورات جاهزة، وهو ما يعزز الإحساس بالملكية الجماعية للإصلاح.
رابعًا، يستند المشروع إلى إطار مرجعي يمنحه عمقًا استراتيجيًا؛ إذ يستلهم الخطب الملكية، وخلاصات تقرير الخمسينية، وتوصيات المناظرات الوطنية حول الصحة، ومضامين النموذج التنموي الجديد، وتقارير المجلس الأعلى للحسابات، وتوصيات مؤسسات الحكامة. وبهذا يتموضع المشروع ضمن سياق وطني أوسع يسعى إلى تحديث الإدارة وترسيخ مبادئ الحكامة.
ثانيًا: نقاط الضعف
رغم عناصر القوة، تظل بعض مواطن الهشاشة قائمة.
فالتاريخ الإداري في قطاع الصحة أظهر أن العديد من الاستراتيجيات بقيت حبيسة الوثائق. والخطر هنا أن يتحول التشخيص إلى تمرين نظري دون ترجمة عملية واضحة، مؤطرة بآجال محددة ومسؤوليات مضبوطة.
كما أن غياب آليات دقيقة للمتابعة والتقييم قد يفرغ المشروع من محتواه؛ فالإصلاح يحتاج إلى مؤشرات لقياس الأداء، وجدولة زمنية واضحة، وربط فعلي بين المسؤولية بالمحاسبة.
يضاف إلى ذلك تحدي الموارد البشرية نفسها، من ضغط العمل والخصاص في بعض التخصصات إلى تفاوت الكفاءات، وهي عوامل قد تعرقل تنزيل أي سياسة جديدة ما لم تُعالج تدريجيًا وبمقاربة واقعية.
ثالثًا: الفرص
يوفر المحيط العام فرصًا حقيقية يمكن البناء عليها.
فالإرادة الوطنية لإصلاح المنظومة الصحية، في سياق تعميم الحماية الاجتماعية، تمنح المبادرة سندًا سياسيًا ومعنويًا. كما أن تنامي الوعي بأهمية الحكامة الجيدة يخلق استعدادًا أكبر لتقبل الإصلاحات.
وتبرز هنا فرصة لإرساء ثقافة تدبير توقعي للوظائف والكفاءات، بما يضمن عدالة أكبر في التعيينات، وتحفيزًا قائمًا على الاستحقاق، وتخطيطًا بعيد المدى للحاجيات المستقبلية.
كما أن الانفتاح على الإعلام يعزز الشفافية، ويضع المؤسسة أمام مسؤولية مضاعفة لتحقيق نتائج ملموسة. ويأتي الطلب المتزايد للمواطنين على الخدمات الصحية، وما يرافقه من احتجاجات اجتماعية، ليشكل دافعًا إضافيًا لتسريع وتيرة الإصلاح وتحسين الأداء.
رابعًا: التهديدات
غير أن الطريق ليس معبدًا بالكامل.
فمقاومة التغيير تظل احتمالًا قائمًا، سواء بدافع الخوف من فقدان امتيازات أو نتيجة غموض الرؤية لدى بعض الفاعلين. كما أن أي خلل في التواصل قد يعيد إنتاج سوء الفهم بين الإدارة والموظفين.
ويظل خطر تسييس المبادرة أو اختزالها في صراع مواقع قائمًا، بدل التعامل معها كمشروع جماعي يخدم المرفق العمومي.
نحو إنجاح المبادرة
يكشف تحليل SWOT أن النجاح ممكن، لكن بشروط واضحة. فالإدارة تمتلك فريقًا يحظى بالثقة، وأبدت انفتاحًا على الحوار، واستندت إلى مرجعيات وطنية قوية. غير أن استثمار هذه المقومات يتطلب حزمًا في التنفيذ ومرونة في التواصل.
إذا جرى تحويل التشخيص إلى خطة عملية مؤطرة بآجال واضحة، وآليات تتبع دقيقة، ومشاركة فعلية للنقابات، يمكن لهذه السياسة أن تتحول إلى نموذج في التدبير المؤسسي.
عندها، لن يكون الرأسمال البشري مجرد شعار إداري، بل خيارًا استراتيجيًا فعليًا. ولن يُنظر إلى الموظف كرقم في جدول، بل كفاعل في صناعة الجودة. كما لن تُختزل النقابة في رد الفعل، بل ستضطلع بدورها كشريك يقظ ومسؤول.
في النهاية، تمثل المبادرة فرصة لإعادة بناء الثقة بين الإدارة والموظفين، ولترسيخ ثقافة مؤسساتية قوامها الكفاءة والإنصاف والشفافية. ولن يُقاس نجاحها بعدد الاجتماعات المنعقدة، بل بمدى تحسن بيئة العمل وجودة الخدمات المقدمة للمرتفقين.
وهنا يكمن الامتحان الحقيقي.
موقفنا كنقابة CGT Santé
في هذا السياق، نؤكد أن النقابات ليست مراقبًا من بعيد، بل شريكًا مسؤولًا في مسار الإصلاح. وكممثلين عن CGT Santé، كنا حاضرين في مختلف جولات الحوار الاجتماعي، وطالبنا باستمرار بتفعيل الإطار المرجعي للوظائف والكفاءات، باعتباره حجر الزاوية لأي تدبير عقلاني للرأسمال البشري.
موقفنا واضح: التشخيص التشاركي ينبغي أن يُستكمل بتدبير تشاركي فعلي، وبمقاربة توقعية تستشرف حاجيات المستقبل. فأي سياسة لا تربط بين الرؤية والتنفيذ، وبين الالتزام والمساءلة، ستظل منقوصة.
كما نعتبر أن إشراك النقابات ليس إجراءً شكليًا، بل ضمانة للعدالة والشفافية. فالتوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الكفاءة والتحفيز، لا يتحقق إلا في إطار حوار اجتماعي مؤسساتي ومستمر.
لسنا في موقع خصومة، بل في موقع حرص. ندعم كل مبادرة جادة للإصلاح، وننبه في الآن ذاته إلى مكامن الخلل، لأن الهدف يظل واحدًا: خدمة المرفق العمومي وصون كرامة العاملين فيه.
التعليقات