هل بدأت حرب الاستنزاف الطاقي في الشرق الأوسط؟
دين بريس ـ سعيد الزياني
يكتسب استهداف بعض المنشآت، اليوم، التابعة لقطاع النفط في حقل ”بارس” الجنوبي ومنطقة “عسلوية” في إيران دلالة تتجاوز البعد العملياتي المباشر، لأنه ينقل المواجهة من نطاق الضربات العسكرية التقليدية إلى نطاق المساس بالبنية الاقتصادية التي تقوم عليها قدرة الدولة على الاستمرار، فالحقل المستهدف يعد جزء من أكبر حقل غاز في العالم، ويوفر أكثر من ثلثي الغاز المستخدم داخل إيران، كما أن الهجوم أدى إلى أضرار في منشآت مرتبطة بالإنتاج وإخراج أجزاء من المرفق عن الخدمة لاحتواء الحرائق، وهو ما يجعل الضربة مؤشرا على دخول الحرب طورا جديدا تتقدم فيه الطاقة إلى صدارة الأهداف الاستراتيجية.
وتتضح أهمية هذا التحول من زاوية طبيعة الحرب نفسها، لأن استهداف منشآت الغاز لا يرهق الخصم عسكريا فقط، وإنما يضغط على الكهرباء، والصناعة، والتمويل، والخدمات، والتماسك الداخلي، أي على العناصر التي تجعل الدولة قادرة على تحمل حرب طويلة، وحين تصل الضربات إلى هذا المستوى فإن التحدي المطروح هو من يستطيع أن يصون بنيته الحيوية تحت النار، ومن يملك هامشا أوسع لامتصاص الكلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مع مرور الوقت، وهذا بالضبط ما يفسر اعتبار كثير من المراقبين أن الحرب دخلت مرحلة اقتصادية كاملة..
ويزداد المشهد تعقيدا لأن “عسلوية” لا تقع داخل جغرافيا إيرانية صرفة من حيث الأثر الاستراتيجي، بل في فضاء طاقي متشابك مع الخليج كله، بحكم اتصال الحقل ببنية مشتركة مع قطر، وهو ما منح الضربة بعدا إقليميا فوريا، وأخرجها من خانة الاستهداف الداخلي إلى خانة تهديد أمن الطاقة الخليجي والعالمي، لذلك جاء الموقف القطري الرافض للهجوم معبرا عن إدراك واضح بأن أي مساس بهذه المنطقة لا يتعلق بإيران وحدها، وإنما يطال استقرار الإمدادات، وحسابات المستثمرين، ومناخات التأمين، وتوازنات السوق في واحد من أكثر أقاليم العالم حساسية في مجال الغاز والطاقة.
وستبدأ التداعيات الاقتصادية تظهر بسرعة، إذ ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات تفوق 107 دولارات لبرميل برنت، وبقيت فوق عتبة 100 دولار لأيام متتالية، كما ارتفعت أسعار الغاز الأوروبية، وتزايدت التحذيرات من أثر الحرب على التضخم، والنمو، وسلوك الأسواق المالية، وهذه التفاعلات نفرض اتساع دائرة الاستهدافات إلى منشآت أخرى، ومن تزايد احتمالات التعطيل في الخليج، ومن انتقال كلفة الحرب إلى النقل، والتأمين، والصناعة، والقدرة الشرائية في الاقتصاد العالمي الأوسع.
أما من الناحية الإقليمية، فإن أخطر ما كشفه هذا التطور هو اقتراب الحرب من معادلة الرد المتبادل على منشآت الطاقة، فقد أعقبت الضربة تهديدات إيرانية باستهداف مرافق في السعودية، والإمارات، وقطر، وفي حال تحولت هذه التهديدات إلى نمط مستمر من الفعل، فإن المنطقة ستكون أمام حرب استنزاف طاقية يتداخل فيها العسكري بالاقتصادي والبحري، وتصبح فيها الموانئ، والمصافي، وحقول الغاز، وخطوط الشحن، أهدافا ضمن المعركة نفسها، وعند تلك النقطة لن يعود ممكنا الحديث عن صراع محدود بين أطراف بعينها، لأن الخليج كله سيدخل، موضوعيا، في قلب توازنات الحرب ومخاطرها.
وفي المستوى الأعمق، يكشف استهداف “عسلوية” أن المنطقة تتجه نحو إعادة تعريف مفهوم الأمن، فالأمن الذي صار مرتبطا بقدرة الدول على حماية شرايين الطاقة، وضمان الملاحة، وتأمين المنشآت المشتركة، وصيانة الثقة في استمرار التدفقات التجارية، ولذلك فإن الدول التي بنت استقرارها على فرضية أن المظلات الدولية كافية لحماية بناها الاستراتيجية تجد نفسها اليوم أمام اختبار أكثر تعقيدا، لأن الهجمات على الطاقة تظهر أن التفوق العسكري لا يمنع بالضرورة انكشاف الاقتصاد، وأن هشاشة الأسواق قد تبدأ من منشأة واحدة إذا كانت تقع في موضع حساس من الخريطة.
ولا يقف أثر هذه الضربة عند السوق والحسابات الأمنية، لأن توسيع الحرب نحو منشآت النفط والغاز في الخليج يحمل أيضا مخاطر بيئية وإنسانية بعيدة الأثر، في فضاء بحري محدود وحساس تعتمد عليه محطات التحلية، والمدن الساحلية، وحركة التجارة العالمية، كما أن استمرار هذه الحرب في استهداف مصادر الطاقة يضع المنطقة أمام احتمال طويل الأمد، قوامه الاستنزاف المتبادل، وتراجع القدرة على التنبؤ، وارتفاع كلفة الاستقرار نفسه، لذلك يمكن القول إن استهداف “عسلوية” هو علامة على أن الحرب دخلت مرحلة يصبح فيها الصراع على الطاقة جزء من الصراع على مستقبل النظام الإقليمي بأسره.
التعليقات