هل انتصرت إيران؟

8 أبريل 2026

عمر العمري
لا جدوى من الإغراق في الجدل حول من انتصر في الحرب التي دارت بين إيران وخصومها، لأن العبرة الحقيقية بعد انقضاء الحروب لا تكون بكثرة الادعاءات، وإنما بمن يخرج منها حاصدا للمكاسب والمغانم..

الأكيد أن إيران خرجت من هذه الهدنة (لاتزال هشة)، في محصلتها النهائية، متقدمة في الميزان الاستراتيجي، لأن خصومها لم ينجحوا في تحويل تفوقهم العسكري إلى نتيجة سياسية حاسمة.

دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة بأهداف كبرى، تمثلت في إسقاط النظام الإيراني، وشل قدرته الصاروخية، وانتزاع أوراقه النووية، لكن نهاية القتال جاءت من دون تحقق هذه الغايات، فيما بقيت الدولة الإيرانية قائمة، ومؤسساتها متماسكة، وقدرتها على الرد حاضرة، وموقعها الإقليمي فاعلا داخل المعادلة.

وأظهر مسار الحرب، بعد ذلك، أن طهران استطاعت امتصاص الضربة الأولى، ثم أعادت تنظيم مسرح الصراع انطلاقا من عناصر القوة التي تملكها، فرفعت كلفة المواجهة على خصومها، ووسعت أثرها إلى الملاحة والطاقة والاستقرار الإقليمي، وفرضت على واشنطن وتل أبيب حسابات أكثر تعقيدا مما كان متوقعا في البداية.

وكشف هذا المسار أن التفوق العسكري، مهما بلغ مداه، لا يتحول بالضرورة إلى تفوق سياسي، وأن الحرب، حين تعجز عن كسر إرادة الخصم، تبدأ في إنتاج أعبائها على الطرف الذي أطلقها.

وكرست لحظة وقف النار (مؤقت) هذه الحقيقة بصورة أوضح، إذ وصلت إيران إلى التفاوض وهي ما تزال تحتفظ بأدواتها الأساسية، وتدير موقعها من زاوية الندية السياسية، فيما ظهرت الولايات المتحدة وإسرائيل وقد انتقلتا من خطاب الحسم إلى خطاب الضبط والاحتواء وتخفيف الخسائر.

وأظهر هذا الانتقال تراجعا فعليا في سقف الأهداف، وكشف الفارق بين ما أُعلن عند بداية الحرب وما أمكن الوصول إليه عند نهايتها.

لقد فرضت إيران، في النتيجة، مكسبا استراتيجيا واضحا (بالرغم من الخسائر الكبيرة)، لأنها منعت خصومها من تحقيق مشروعهم، ودفعتهم إلى التراجع عن أهدافهم القصوى، ورسخت معادلة ردع جديدة سيكون لها أثر مباشر في توازنات المنطقة خلال المرحلة المقبلة.

ربما ستعزز هذه الحرب، في بعدها الرمزي والسياسي، سردية “المقاومة” داخل الوعي العربي والإسلامي، لأن الصورة التي ستستقر في الأذهان هي صورة خصم صمد، وامتص الضربة، ومنع خصومه من تحقيق أهدافهم القصوى.

ومن شأن هذه النتيجة أن تمنح خطاب “المقاومة” انتعاشة إضافية في المجالين الشعبي والسياسي، وأن تضعف في المقابل سرديات التطبيع والارتهان الأمني والرهان المطلق على المظلة الأمريكية والإسرائيلية.

وإذا استمرت مفاعيل هذه الحرب في الاتجاه نفسه، فإن المنطقة ستكون أمام أثر يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، ليمس توازن العقائد والمذاهب والشرعيات والروايات الكبرى التي تتصارع على تشكيل الوعي والمستقبل في الشرق الأوسط..

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

هل انتصرت إيران؟

عمر العمري لا جدوى من الإغراق في الجدل حول من انتصر في الحرب التي دارت بين إيران وخصومها، لأن العبرة الحقيقية بعد انقضاء الحروب لا تكون بكثرة الادعاءات، وإنما بمن يخرج منها حاصدا للمكاسب والمغانم.. الأكيد أن إيران خرجت من هذه الهدنة (لاتزال هشة)، في محصلتها النهائية، متقدمة في الميزان الاستراتيجي، لأن خصومها لم ينجحوا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...