هكذا تغلغل التشيع في أوساط الحركة الإسلامية التونسية
إبراهيم سامي. باحث تونسي
عندما قامت الثورة الإسلامية في إيران تشيع عموم القوى الحية في العالم العربي والإسلامي لشعاراتها بل انبهر بها مفكرون وفلاسفة غربيون وكتبوا عنها (ميشال فوكو نموذجا). كانت بالنسبة إلى الجماهير العربية والإسلامية صوتا للمستضعفين ضد الاستكبار العالمي ذلك الشعار الذي ألهم العقول وألهب المشاعر وأخرج أصحاب المرجعية الإسلامية من مقولة الدين أفيون الشعب وسردية الكاهن والجلاد إلى الدين محركا اجتماعيا ووقودا للثورات. وكانت بالنسبة إلى عدد من المفكرين الغربيين الصوت المضاد لحداثة مادية شارفت على الانهيار الأخلاقي.
التهم التيار الإسلامي الإخواني على وجه الخصوص كتب مفكريها ومنظريها التي كان البعد المذهبي فيها خافيا أو خافتا ووظفوها في نقاشاتهم مع خصومهم من اليساريين والعلمانيين حتى وصموا بالخمينية.
كانت ثورة ملهمة واعدة مكتنزة بالمعنى وكانت أدبياتها مرجعا لصحوة فكرية جديدة غير تلك التي شهدها العالم العربي إبان عصر النهضة أو ما سمي بالصحوة الإسلامية في الفضاء السني.
ناصرها الإسلاميون ولم يقفوا كثيرا عند الإعدامات الجماعية التي نفذت عقب الثورة تحت عنوان تصفية الخونة والأعداء والعملاء. وناصروها عندما شن عليها النظام البعثي في العراق حربا بدعم من أنظمة الخليج والحلف الصهيوأمريكي. جعل صدام عنوانا لحربه على إيران “قادسية صدام” كناية عن معركة قومية بين العرب الفاتحين والفرس المجوس. سانده القوميون والبعثيون وكثير من فصائل اليسار لكن التيار الإسلامي الوسطي لم ينجر إلى البعد القومي أو المذهبي بل ناصر إيران الثورة صوت المستضعفين. ولم يعبأ كثيرا في البداية بانتقال بعض منظوريه من التشيع السياسي لإيران وثورتها إلى التشيع المذهبي سيرا على نهج من اعتبر أن المذهب الجعفري من المذاهب المتعبد بها (العالم الأزهري محمد شلتوت). خاصة أن من تشيعوا مذهبيا التزموا التقية ولم يُظهِروا معتقداتهم. لكن بمرور الزمن بدأ البعد المذهبي التبشيري وسياسات اختراق المجتمعات ينكشف مستفيدا من ضعف المنتظم السياسي والمدني في الساحة.
كان غزو العراق وإسقاط النظام كاشفا لالتقاء المصالح الهجين بين صوت المستضعفين ودولة الاستكبار العالمي ممثلا في من وصمته إيران بالشيطان الأكبر. عمليا أسلمت أمريكا العراق لإيران سواء بشكل مباشر أو عبر الأحزاب الشيعية الموالية لها التي نصبها المقيم العام الأمريكي على حكم العراق بقوة الدبابة الأمريكية وكُتِب دستورها في ظل بريمر واحتفل الجميع بنظام الحكم الطائفي الذي قمع المقاومة السنية للغزو الأمريكي وحرم الجهاد ضد أمريكا بفتوى أعلى مرجع وحاكم شرعي في العراق (فتوى السيد السيستاني).
كانت هزيمة العراق مقدمة لتنفيذ سياسات التمدد في الجسم العربي الفاقد للمناعة بفعل سياسات التبعية والفساد والاستبداد. وظهر وجه إيران القومي المسنود بالتبشير المذهبي والأذرع الوظيفية التي تصنع الانتصارات. كانت القضية الفلسطينية الورقة الرابحة دائما وأبدا في الحفاظ على الشرعية الثورية والدينية والتغطية على البعد القومي والمذهبي وسياسات التوسع والهيمنة وخلق حلقات نفوذ وجغرافيا سياسية موالية.
وكانت أحداث “الربيع العربي” الاختبار الأكبر لإيران الثورة والدولة والمشروع القومي. حيث رغم مساندتها سابقا لنظام بن علي ساندت الثورة التونسية واعتبرتها امتدادا لثورتها (أذكر عندما زرت إيران في مؤتمر التقريب بين المذاهب بُعَيْد الثورة كان الخطاب الرسمي يسوق خطاب المرشد الخامنائي عن تأثير الثورة الإسلامية في إيران في اندلاع الثورة التونسية باعتبارها امتدادا لها. أصر الإعلام الإيراني وتوابعه في ردهات المؤتمر على طرح السؤال علي وكان جوابي أمام إصرارها على اقتلاع كلمة تؤيد تصريح المرشد، أنها ثورة شعبية من أجل الكرامة والحرية دون هوية أيديولوجية وأن السؤال الذي يجب أن يطرح: ما هو تأثير الثورة التونسية ثورة الحرية والكرامة على تصحيح مسار الثورة الإسلامية في إيران ؟
لم يكن جوابي تحت تأثير الزهو الانتصاري للثورة التونسية بل كان موقفا من انحرافات شهدتها الثورة / الدولة يشهده بها المنصفون غير المعادين سياسيا أو المصطفين مذهبيا. من طرائف ذلك المؤتمر الذي كان يفترض أن يناقش قضايا التعايش ونبذ العداء بين المذاهب ويخرج بتوصيات أن مداولاته حررت قبل بداية المؤتمر أي قبل مناقشتها ونشرت في كتاب فخم يتضمن مداخلات الوفد التونسي الذي كان يفترض أن يشارك وفيه نصوصهم التي تشيد بسياسات بن علي الحكيمة في التعايش وحماية حرية المعتقد ونبذ التطرف الديني. نعم التطرف الذي تحت عنوانه رزح عشرات الآلاف في السجون وتعرضوا للتعذيب والتنكيل وقتل العديد منهم. في تلك الفترة كانت قناة المقاومة (المنار) التي تتلقى الدعم من وكالة الاتصال الخارجي تحتفي سنويا بانقلاب السابع من نوفمبر وتجمل وجهه القبيح).
حاولت إيران أن تجد لها موقعا في مسار الثورة التونسية وعرضت الدعم على الحكام الجدد وكانت تشتكي من حالة البرود التي كانت تواجه بها. لكن يبدو أن الحكام الجدد كانوا يعلمون أن إيران الثورة استبدلت أنصار الثورة بأنصار المذهب وشيعة الكرامة بشيعة الارتزاق (في نفس الوقت الذي كانت تعرض خدماتها على الحكام الجدد كانت تجتمع بالموالين لها في المركز الثقافي الإيراني بتونس للنظر في التموقعات الجديدة). كانت الثورة اليمنية مثالا على الانحياز الإيراني لأقلية مذهبية انقلبت على ثورة الشعب اليمني ونكلت بمواطنيه وفعلت بهم ما فعل الكيان بأهل غزة.
لكن الثورة السورية كانت الكاشفة الهاتكة لحجب التقية حيث نزلت إيران بكل ثقلها الفصائلي لتثبيت أركان النظام الطائفي في سوريا (وأصبح الطريق إلى القدس يمر عبر مدن سوريا وأريافها المفقرة) كان الإرهاب وعسكرة الثورة أجندة النظام السوري (إطلاق سراح قادة الفصائل المسلحة في أوج الحراك الثوري السلمي) تلقفتها أنظمة الخليج وأصبح الجميع فيها شركاء متشاكسون كل يشد المشهد الميداني إلى صفه لاستباق النتائج واحتكار رسم السياسات القادمة.
وحدها إيران استثمرت في فوضى الفصائل المسلحة وأحسنت فرض موقع لها في قلب السياسة والميدان السوري وكانت اللاعب الأبرز بعد استدعاء اللاعب الروسي (خطة الاستدعاء نفذها قاسم سليماني في زيارته لبوتن حسب تصريح زعيم حزب الله). وكانت اللعبة غير مسلية بل أودت بحياة مئات الآلاف قتلا وتعذيبا وسجنا وتهديما لقرى آوت المقاومة سابقا وتهجير أهلها (دعا زعيم الحزب نفسه، السوريين الفارين من آلة القتل وبراميل حليفه المتفجرة فوق رؤسهم إلى مغادرة بلدهم واتخاذ البحر سفينا!).
مختصر المشهد السوري أن ما فعلته إيران وحلفاؤها بسوريا أضعاف ما فعلته الكيان بغزة. وهذا ما يفسر عدم قدرة السوريين مع الجراحات التي لا تزال نازفة على التجرد في موقفهم من العدوان الصهيوني على إيران إذ رأى الكثير منهم ذلك لعنة الدماء التي أريقت والأرواح التي أزهقت واعتبروه عدالة من السماء!
المتجردون من مشاعر ضحايا العدوان الإيراني الفصائلي على سوريا قادرون أكثر على التمييز بين الموقف من العدوان الإيراني على سوريا والموقف من عدوان يختزل أكبر وأخطر مشروع استعماري كوني تشهده المنطقة تلتقي فيه كل إرادات الشر في العالم لتقويض كل الوضع القائم بقوة السلاح والهيمنة والإخضاع لفرض وضع جيوسياسي جديد يعصف بالجميع ويكون مقدمة لتحقيق النبوءات الحاخامية التوراتية المعلن عنها رسميا والتي تهدف إلى تشكيل دولة إسرائيل الكبرى. كل الناطقين باسم هذا المشروع في دولة الاحتلال وحليفتها يعتبرون إيران حجر العثرة وجدار الصد أمام تنفيذ هذا الحلم التوراتي ويعتبرون بقية الدول عرائس شمع سرعان ما تذوب أمام نيران أسلحتها.
يقول البعض هل نحن مخيرون بين مشروعي هيمنة كلاهما وجهان لعملة واحدة؟ ويقول البعض الآخر فخار يكسر بعضه بعضا ويضرب الله الظالم بالظالم ومواجهة عدو واحد خير من مواجهة عدويين. ويقول آخرون إيران عدو دائم والكيان عدو زائل. وغير ذلك من المواقف التي تتلبس في كثير من السياقات المتشنجة بالخطاب المذهبي أو التقعر في التحليل.
كل هذه المواقف تتحرك في الفراغ السياسي لعدم وجود قوة عربية سياسية أو عسكرية قادرة على مواجهة نتائج الحرب الدائرة سواء كانت عبر حل تفاوضي أو حسم عسكري. حالة من الضعف والارتهان للكفيل الذي ترك القوم يواجهون مصيرهم دون غطاء سياسي أو عسكري.
يراهن البعض على الولاء لإيران باعتبارها القوة الوحيدة في المنطقة التي واجهت الكيان ودعمت المقاومة ضده. وتغض الطرف عن مشروعها القومي أو تؤجل النظر فيه إلى حين.
والبعض الآخر يراهن على موجهة حراك عربي جديد يستأنف مشروع الديمقراطية باعتبارها سبيل أعادة بناء التنمية وشروط السيادة (أذكر أنني شاركت بعد الثورة في مناقشات وصياغة تقرير التكامل العربي لمنظمة الإسكوا الذي رسم أسسا لوحدة عربية تكاملية. التقرير أدانته دولة الكيان واستهدفت رئيسة الفريق الذي صاغه المناضلة الفلسطينية ريما خلف)
أما صاحب هذه التدوينة فمع تأكيده على الأولوية القصوى للنضال ضد مشروع دولة الكيان الكبرى وكل المشاريع الاستعمارية ما زال لديه بصيص أمل في أن تراجع إيران سياساتها في المنطقة وتصحح مسار ثورتها وتتخلى عن أحلام التوسع والهيمنة والتبشير والاختراق لصالح المشاركة الصادقة في خلق شروط القوة والمناعة لدى الأمة.
إيران تحتاج بنظرنا إلى ثورة ثانية تتصالح فيها مع رسالة الإسلام وقيمه بمراجعة الموروث الشيعي الخرافي وتنقيته من الاسرائليات والتحريفات والأحقاد والضغائن. ومع محيطها العربي والإسلامي وقواه الحية لتكون مؤهلة للمشاركة في النهضة الإسلامية والاستئناف الحضاري السبيل الوحيد لمواجهة انهيارات الحداثة وواقع التخلف ومشاريع الاستعمار القديم المتجدد.
ملاحظة: الصورة المصاحبة هي غلاف أحد أعداد مجلة المعرفة الناطقة باسم الجماعة الإسلامية بتونس التي نشأ عنها الاتجاه الإسلامي ثم حركة النهضة لاحقا.
التعليقات