هذه أسباب مواقفنا النقدية من الإسلام السياسي في فرنسا
عبد الحي السملالي. باحث مغربي يقيم في فرنسا
سألني أحد الأصدقاء مؤخرا: لماذا هذا النقد الحاد لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا (المحسوب على الإخوان المسلمين) وللإسلام الحركي السياسي، ولماذا الآن بالذات؟
أجبته بأن المسألة ليست انفعالا ولا رغبة في الخصومة، بل هي تطوّر طبيعي في الوعي، تراكم على مدى سنوات من التجربة المباشرة والاحتكاك الميداني.
لم يأتِ هذا التحوّل من قراءة نظرية، بل من وقائع تتكرر. حكى لي أحد الإخوة قصة تختصر البنية العميقة لهذا النمط من القيادة: رجلٌ يتزعّم منذ أكثر من عشرين عاما جمعية إسلامية هنا في فرنسا، يفرض على المحيطين به طاعة مطلقة، ويتعامل معهم بمنطق الوصيّ على قاصرين، غير أنه أمام السلطات يتحوّل إلى صورة من الامتثال التام.
في إحدى الاجتماعات جمع أعضاء الجمعية بدعوى مناقشة قضايا إسلامية، ثم أعلن ببرود:
“هذه هي المواضيع التي حدّدها لنا عامل الإقليم لنناقشها”.
وحده رفع صوته متسائلا: من أعطى السلطة حق تحديد ما نناقشه في ديننا؟ لم يجب أحد. كان الصمت هو الجواب، وهو صمت كاشف: المشكلة ليست في موضوع بعينه، بل في ذهنية ترى الناس جمهورا للتصفيق لا شركاء في التفكير.
سباق على المناصب لا على الخدمة
ليس هذا المثال استثناء. كثيرا ما رصد مثقفون ظاهرة متكررة في عدد من الجمعيات الإسلامية في فرنسا: تنافسٌ محموم على الكراسي والمواقع التنظيمية، لا بدافع خدمة الناس، بل بدافع الحضور في المحافل الرسمية.
ثمة من يعدّ “الإنجاز” الحقيقي أن يُدعى إلى استقبال رسمي، أو أن يُصوَّر وهو يصافح مسؤولا محليا، أو إقليميا، أو وزيرا. كأن قيمة العمل الإسلامي تُقاس بعدد الأيدي المصافِحة، لا بعمق الأثر في العقول والنفوس.
هذه الذهنية تكشف عن ثلاثة أنماط متلازمة:
* من يستمدّ شرعيّته من السلطات الفرنسية، لن يتسامح مع حق الأعضاء في المساءلة.
* من ينتظر الدعوة الرسمية، سيرى في كل نقد خروجا عن الصف.
* من ينظر إلى الناس كجمهور مطيع، سيعدّ التفكير المستقل تهديدا.
هكذا تُصنع بيئات القطيع: ليس لأن الناس يفتقرون إلى الوعي، بل لأن القيادة لا تريد إلا من يقول آمين.
من التحفّظ إلى الوضوح
في مرحلة سابقة كنّا نتحفّظ كثيرا؛ لا لأن الصورة كانت مشرقة، بل لأننا كنّا نرى الأمور من الخارج، دون تراكم معرفي كافٍ، ودون قدرة على التمييز بين الدعوي والحزبي، أو بين الديني والتعبوي. كنّا نخشى الفتنة، ونمنح حسن الظن، ونحسب أن الصمت أقلّ ضررا من المواجهة.
لكن الأمور تغيّرت. التجربة تكشف ما لا تكشفه الخطب، والاحتكاك يفضح ما تخفيه الشعارات، والتراكم يُجلّي ما كان ضبابيا.
اليوم لم يعد الأمر ظنونا، بل معرفة. لم يعد تخوّفا من الفتنة، بل إدراكا لمصدرها. ولم يعد دفاعا عن تنظيم، بل دفاعا عن المصلحة العامة ووعي الناس.
لماذا نكتب؟
تعبنا من تحويل الدين إلى أداة تعبئة، ومن صناعة الأوهام باسم المشروع الإسلامي، ومن تسييس الهوية الدينية، ومن خطاب يطلب من المسلمين أن يسلّموا عقولهم لمن يدّعي الحديث باسمهم.
حين نكتب اليوم، لا يدفعنا الغضب ولا الخصومة، بل المسؤولية. لأن السكوت بعد وضوح الصورة يصبح مشاركة في التضليل. ولأن الدين أكبر من أن يُختزل في مشاريع سياسية فاشلة أو شبكات نفوذ مغلقة.
يبدو أن الحاجة إلى التوضيح ما زالت قائمة، ليس لأن الناس لا يفهمون، بل لأن ثمة من يُصرّ على إعادة إنتاج الخطاب ذاته والأساليب ذاتها. ولذلك فإن الكتابة اليوم ليست هجوما، بل محاولةٌ لإنقاذ الوعي العام قبل أن يبتلعه الضجيج — والأهم، تذكيرٌ بأن هذا الدين يستحق أفضل مما صُنع باسمه.
التعليقات