نواكشوط تُراهن على «صناعة الأمل»… مؤتمر السلم الإفريقي يفتح معركة العدل ضد الأزمات واليأس
رشيد المباركي
في نواكشوط، حيث تتقاطع ذاكرة الساحل مع أسئلة الدولة والعيش المشترك، انعقد المؤتمر الإفريقي لتعزيز السِّلم تحت شعار «إفريقيا.. صناعة الأمل»، بوصفه منصةً ثقافيةً وأكاديميةً تُعيد وضع السِّلم في قلب السياسة الأخلاقية: لا باعتباره توقفًا مؤقتًا للعنف، بل باعتباره بناءً مُستدامًا لشروط العدالة والثقة ومعنى الانتماء. وبين كلماتٍ دينية ورسمية وفكرية، بدا واضحًا أن المؤتمر لا يكتفي بتوصيف المخاطر، بل يُحاول صياغة “لغة عمل” تواجه ثلاثة مصادر لتآكل الاستقرار في القارة: هشاشة الدولة، اقتصاديات النزاع، وتسييس الدين خارج مقاصده الجامعة.
الشيخ عبد الله بن بيّه: الأمل سياسةٌ أخلاقية… والسِّلم حضورُ العدل لا مجرد غياب العنف
منذ افتتاحه، أعاد الشيخ عبد الله بن بيّه تعريف السِّلم من كونه “إطفاءً للنار” إلى كونه “منعًا لوقودها”. فالسِّلم عنده ليس فراغًا من الصراع، بل امتلاءٌ بمعايير العدل والثقة والطمأنينة الروحية والاجتماعية. وفي هذا السياق قدّم شعار «صناعة الأمل» بوصفه واجبًا عمليًا، لأن اليأس حين يتسرب إلى المجال العام يتحول إلى مناخٍ يُغذّي الأحقاد ويُيسّر تجنيد التطرف، بينما الأمل الحق هو الذي يُترجم إلى مبادرات، وإلى مؤسسات تعالج أسباب الانكسار بدل الاكتفاء بمواساة نتائجه. وأكد أن وظيفة القيم الدينية في إفريقيا ينبغي أن تُستعاد كرافعة لترميم الاجتماع وبناء الثقة، لا كأداة تعبئة واستقطاب، مشددًا على أن الرسالة الدينية تستطيع أن تكون قوة تحصين ضد العنف حين تُستثمر في التربية والإصلاح وتثبيت معنى الرحمة والإنصاف.
الوزير الأول الموريتاني المختار ولد اجّاي: دولة القانون خط الدفاع الأول… لا سِلْمَ بلا مساواة نافذة
في مقاربةٍ تمسك بجذر الأزمة من زاوية الدولة ووظائفها، قدّم الوزير الأول رؤيةً تُنزِل السِّلم من مستوى النوايا إلى مستوى المؤشرات. فالعنف والإرهاب والنزاعات—بحسب طرحه—لم تُضعف التنمية فحسب، بل مزّقت النسيج الاجتماعي وحوّلت الأمل إلى طاقةٍ معطّلة. ومن ثمّ فإن استعادة السِّلم تتطلب استراتيجية مركبة قوامها دولة القانون بوصفها ضمانة الحقوق والواجبات، والمساواة بوصفها معيار الانتماء، والعدالة بوصفها آلية إطفاء الثأر وإغلاق دوائر الانتقام، مع بعدٍ فكري وتربوي يرسخ الوسطية والاعتدال والإخاء. ولفت إلى أن الأمن الذي يقوم على كسر الحقوق يخلق خوفًا مؤجّلًا، بينما الأمن الذي يقوم على القانون يصنع ولاءً مستدامًا ويُعيد جسور الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وهو ما يجعل السِّلم مشروعًا يوميًا: إدارة خصومات، توزيع خدمات، وحماية مجال عام من الانفلات.
أحمد التوفيق (وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية): إصلاح الداخل شرطُ إصلاح الخارج… والسِّلم يبدأ من تهذيب النفس قبل تنظيم الحدود
كانت مداخلة أحمد توفيق الأكثر انشغالًا بجذرٍ غالبًا ما يُهمَل في التحليلات السياسية السريعة: الإنسان من الداخل. فقد انطلق من فكرةٍ حاسمة مفادها أن كثيرًا من الحروب—مهما لبست أثواب السياسة—تتغذى من تعرّجات النفس: الأنانية، الغلو، ونزعة الاستعلاء. وحين تتحول هذه العناصر إلى ثقافة عامة، يصبح العنف “سهل التبرير”، وتغدو الفتنة قابلة للتسويق، ويضيق أفق التعارف. لذلك شدد على أن صناعة السِّلم لا تبدأ من الخرائط وحدها، بل من إعادة بناء أخلاق السلام في الحياة اليومية: في الأسرة، في المدرسة، في المسجد، وفي لغة الإعلام ومخيال المجتمع.
ولكي لا تبقى الأخلاق شعارًا عامًا، ربط الوزير بين “تصحيح التدين” و“تحصين الاجتماع”، معتبرًا أن التدين حين يُفهم باعتباره امتلاكًا للحقيقة، ينقلب إلى سلاحٍ رمزي يبرّر الإقصاء؛ أمّا حين يُفهم باعتباره تهذيبًا للنفس ومسؤوليةً تجاه الناس، فإنه يصبح ضمانةً ضد الانزلاق إلى الكراهية. ومن هنا كانت دعوته إلى تجديد الخطاب الديني بلغة معاصرة مفهومة دون تفريط في الجوهر، مع نقل مركز الثقل من الجدل الانفعالي إلى التفكيك العلمي للأفكار المتطرفة: كشف تناقض العنف مع مقاصد الشرع، وبيان أن “العبادة” لا تُستكمل إلا بحفظ الدماء وصيانة الكرامة وإقامة العدل.
ولم يقف أحمد توفيق عند المستوى النظري، بل استحضر ذاكرة إفريقيا داخل التجربة الإسلامية الأولى بوصفها ذاكرة عدلٍ وكرامة: من الهجرة إلى الحبشة بوصفها بحثًا عن دولةٍ عادلة تحمي المستضعف، إلى موقف النجاشي الذي جسّد معنى تحكيم الإنصاف، وصولًا إلى رمزية بلال الحبشي باعتباره درسًا في التحرر من التراتب العنصري وتأكيدًا لحرمة الإنسان. الرسالة هنا كانت دقيقة: إفريقيا ليست هامشًا في الوجدان الإسلامي، بل قلبٌ أخلاقيّ في تاريخ العدالة؛ وتاريخ القارة ليس مادةً للشفقة بل موردٌ للمعنى يُستدعى لبناء مستقبل لا يُستباح فيه الإنسان باسم هويةٍ أو مذهبٍ أو ولاءٍ سياسي.
وفي خلاصته، وضع الوزير معيارًا شديد الواقعية: مواجهة التطرف لا تكون بردود أفعالٍ متأخرة، بل ببناء “مناعة اجتماعية” طويلة النفس، قاعدتها تعليمٌ يُنمّي العقل النقدي، وتدينٌ يُربّي على التواضع، ومؤسساتٌ دينيةٌ تُحسن البيان والتوجيه، لا التحريض والتجييش. السِّلم—بهذا المنطق—ليس قرارًا فوقيًا، بل ثقافةٌ تتشكل في تفاصيل العيش، وتتحول مع الزمن إلى عادة عامة تمنع العنف قبل أن يقع.
الدكتور محمد بشاري: الدولة الوطنية حاضنة الأمل… إصلاح الدولة لا استبدالها
في مداخلةٍ وضعت الأمل في مكانه “العملي”، طرح الدكتور محمد بشاري تصورًا يعتبر الأمل نتيجةً طبيعية لانتظام الحياة، لا حالةً تُستجدى عند اشتداد الأزمات. وحذّر من تحويل الأمل إلى خطابٍ عاطفي يَعِد أكثر مما يصنع، فيغدو قناعًا لغياب السياسات. وبيّن أن الأمل—بمنظار مقاصدي عملي—ليس شعورًا بل أثرٌ يترتب على عدلٍ نافذ، وفاعلية مؤسساتية، وثقة عامة؛ وأن هذه الشروط لا تستقيم دون الدولة الوطنية بوصفها وعاء السيادة وحارس الحدود وموزّع الخدمات وحاسم الخصومات.
وفي المقابل، حذّر من نزعتين تلتهمان الأمل: نزعة تبريرية تضع الدولة فوق النقد، ونزعة تفكيكية تشيطنها فتفتح الباب لبدائل عابرة للحدود تنازع السيادة وتؤسس دولة داخل الدولة. واقترح طريقًا ثالثًا: تقوية الشرعية عبر الإصلاح المؤسسي، وتوسيع المشاركة عبر الآليات الدستورية، وبناء شراكة قيمية وخدمية بين الدولة والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني داخل العقد الوطني لا خارجه؛ بحيث يعود الدين ضميرًا جامعًا للمصالحة لا راية اصطفاف، وتتحول صناعة الأمل إلى سياسات قابلة للقياس والمساءلة.
رافدٌ ثقافيّ لمنطقةٍ على حافة الاختبار
ويأتي المؤتمر—وفق خلفيته المعلنة—كرافد ثقافي وأكاديمي يُعنى بقضايا السِّلم والتعايش في إفريقيا عامة، وفي منطقة الساحل خاصة؛ سعيًا لترسيخ ثقافة التسامح من المنطلق الديني والوطني، وتجاوز التحديات التي تهدد الاستقرار، عبر خطاب إيجابي وتجديدي يُعيد للدين دوره الريادي في إصلاح المجتمعات: بناء التعايش، احترام الآخر، فتح فضاء للطاقات البنّاءة، ومواجهة الصراعات ذات الطابع الأيديولوجي بما يحفظ الدولة ويصون الاجتماع.
بهذه الروح، بدت نواكشوط وهي تستضيف «صناعة الأمل» كأنها تُعلن أن السِّلم في إفريقيا لن يُصنع بالبيانات وحدها، بل بتحويل العدل إلى مؤسسات، والمعنى إلى مواطنة، والدين إلى ضميرٍ جامع، والدولة إلى إطارٍ وظيفي يحمي الناس من الانزلاق إلى فوضى اليأس.
التعليقات