نظرات أولية في “دليل مسجد باريس الكبير”: قراءة نقدية منهجية من فقهاء وأئمة وباحثين بفرنسا

12 فبراير 2026

تمثل مبادرة مسجد باريس الكبير في إصدار دليل ديني موجَّه لمسلمي فرنسا والغرب عموماً خطوة تستحق التنويه من حيث المبدأ والشكل، لما تحمله من رغبة واضحة في وضع إطار منهجي يساعد المسلمين على تنظيم ممارستهم الدينية داخل السياق الفرنسي. غير أن حسن النية – وإن كان شرطًا لازمًا – لا يكفي وحده لبناء عمل علمي رصين، ما لم يُؤسَّس على منهجية فقهية أصيلة وتأصيل علمي متين، يضطلع به علماء وباحثون متمكنون يمتلكون أدوات الاجتهاد والاستنباط، ويجمعون بين علوم الشرع والعلوم الإنسانية في مقاربة تكاملية واعية. كما أن طبيعة هذا المشروع تقتضي – من وجهة نظرنا – زمنًا علميًا ممتدًا، إذ لا يمكن لمثل هذا العمل أن ينضج في فترة قصيرة، بل يحتاج إلى سنوات من البحث والمراجعة والتحكيم والتقويم العلمي، والتدقيق نظرًا لما يتضمنه من قضايا كبرى وإشكالات مركبة تمس حياة المسلمين في مختلف أبعادها. فهذا المشروع يستلزم عند صياغته الإحاطة الشاملة بجميع الجوانب: الدينية، والإنسانية، والقانونية، والحقوقية، والوطنية، والسياقية، في معالجة متجانسة ومنسقة للقضايا، بما يلبّي المطلوب ويحقق المأمول لجميع الأطراف، حتى يخرج العمل في صورة ناضجة ومتوازنة تعكس روح الفقه الرشيد، ومقاصد الشرع الحنيف، ومتطلبات الواقع في آن واحد. وقد أشار ابن خلدون – رحمه الله – في مقدمته إلى الطبيعة التكاملية للعلوم، وبيّن أن النظر في قضايا الإنسان والمجتمع لا يمكن أن يكون جزئيًا أو أحاديًا، بل يجب أن يكون شموليًا، مركبًا، محيطًا بجميع أبعاد الإنسان: العقدية، والفقهية، والاجتماعية، والنفسية، والثقافية، والعمرانية، والسياقية، وذلك – طبعاً – بتجرد وإخلاص لله تعالى أولاً، بعيدًا عن منطق المسايرة، أو طلب الممدحة، أو تحصيل المصلحة، والله وحده أعلم بالنيات. وإذ نحسن الظن بالقائمين على هذا العمل، فإن هناك قرائن موضوعية تثير التساؤل العلمي المشروع، من أبرزها وأهمها:

أولاً : ملحوظة عامة 

عدم إشراك علماء وأئمة وباحثين مؤهلين من داخل فرنسا، المعروفين، لدى المسلمين وغير المسلمين، ممن خبروا الميدان، وثبتت كفاءتهم العلمية، ونالت مكانتهم الاعتراف من المؤسسات العمومية والدينية والأكاديمية، وما ترتب على ذلك من تفويت فرصة الاستعانة بهم وبخبرتهم في ميدان التأصيل والفقه والواقع. وهو أمر يطرح إشكالًا منهجيًا حقيقيًا، لا سيما وأن الاجتهاد الفقهي الرشيد يقوم – في أحد أركانه الأساسية – على اعتبار العرف ،والسياق، والواقع المحلي، بوصفه عنصرا معتبراً في التنزيل الفقهي، كما قرره علماء أهل الشأن. وعليه، فإن اغفال استشارة القيمين الدينيين المؤهلين من داخل السياق الفرنسي يُضعف من سلامة المقاربة الاجتهادية، ويجعل الخطاب الفقهي أقرب إلى التنظير المجرد منه إلى الفقه الواقعي القابل للتنزيل السليم.

ثانياً : ملحوظات على مستوى المنهجية

إن حجم الدليل (960 صفحة) كبير وطويل، مما يثير جملة من الملحوظات العلمية الأولية في حدود ما تم الاطلاع عليه. ومع التأكيد على أن هذا المقام لا يتسع لبسط جميع الردود والتصويبات التفصيلية، فإننا – كفقهاء وأئمة وباحثين بالمجال الديني – نؤكد جاهزيتنا العلمية والمنهجية الكاملة لمناقشة هذه المادة مع السادة المحررين، من منطلق التكامل المعرفي والتعاون الأخوي والعلمي، مسترشدين جميعاً بقوله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾. سورة طه الاية : 35، في إطار علمي مؤسسي منظم، قائم على الحوار العلمي الأكاديمي الرصين، والتلاقح المعرفي، والنقاش العلمي المسؤول من داخل المنظومة الفقهية، لا من خارجها. كما أن طبيعة هذا العمل وحجمه تطرح إشكالًا عمليًا لا يقل أهمية عن الإشكال المنهجي؛ إذ إن مثل هذا الجهد العلمي لا نريد له أن يبقى حبيس الرفوف، بل يفترض أن يكون في متناول القارئ، قريبًا من فهمه، سهل التداول، قابلًا للاستفادة بأقل جهد وعناء، خاصة في عصر السرعة، وسيولة المعلومات، وسهولة الوصول إلى المعلومة، حيث تتغير أنماط القراءة والتلقي، وتقل قابلية الجمهور للتعامل مع الأعمال المطوّلة غير الوظيفية. ويؤكد هذا المعنى ما وقع عمليًا؛ إذ طُلب من أحد الأئمة المرشدين، وهو من أهل الميدان والخبرة، مراجعة الدليل وإبداء ملحوظاته العلمية، فاعتذر عن المشاركة في النقاش معنا لا لضعف الاهتمام، بل لطوله وتشعّبه، وكثرة ارتباطاته العلمية والميدانية كما صرح لنا. فإذا كان هذا حال المتخصص من داخل الميدان الفقهي، فكيف بالقارئ العام، أو بالمسلم غير المتخصص؟ بل كيف بمن هو خارج الحقل العلمي والفقهي أصلًا؟ بل كيف بمن هو ليس بمسلم أصلا ؟ وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول قابلية الدليل للتداول، والانتفاع العملي به، ووظيفته الحقيقية في خدمة مسلمي فرنسا.

ثالثاً : ملحوظات على مستوى التصور والمقاربة

لوحظ إشراك مؤسسات دينية من خارج فرنسا، وهو أمر نُحييه ونثمنه باعتباره مساهمة علمية مهمة، شريطة ألا يكون على حساب الكفاءات المحلية بفرنسا. حيث جاء ذلك في مقابل غياب مؤسسات وعلماء وفقهاء من الداخل الفرنسي، مع أن الواقع المحلي يشكل الأساس في بناء أي فقه للنوازل أو اجتهاد سياقي. وهذا يُعد خللًا منهجيًا جوهريًا، إذ لا يمكن استيراد الاجتهاد جاهزًا من خارج السياق، بل ينبغي أن يُبنى من الداخل، مع مراعاة -طبعاً- خصوصيات الواقع الفرنسي ومتطلبات المجتمع المسلم الذي تضمنه واقع الكتاب. كما لوحظت بعض الإشكالات العلمية في عدد من الأجوبة الدينية الواردة في الدليل، وسيتم بيانها لاحقًا في دراسات تفصيلية مستقلة، بما يسهم في تدقيق العمل وتطويره من منظور علمي رصين. وفي الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أن هذه المبادرة – رغم الملحوظات الأولية – تمثل فرصة تاريخية لفتح نقاش فقهي جاد داخل الساحة الإسلامية الفرنسية، خاصة في ظل تراجع مؤسف من بعض المساجد الكبرى والمؤسسات الدينية الأخرى في إنتاج مشاريع فقهية علمية رصينة تعالج إشكالات الواقع بعمق علمي ومسؤولية شرعية ووطنية مشتركة. لكن يظل وجود مبادرات دينية مؤسسية – مهما كانت الملحوظات عليها – على أقل تقدير تسهم في قطع الطريق أمام المتحدثين غير المؤهلين باسم الإسلام والمسلمين في فرنسا، وتحد من الفوضى الخطابية والعبث الديني. وإذ نثمن الجهود المبذولة في هذا العمل، نقدر كذلك مساهمات المشاركين ممن وردت أسماؤهم في الكتاب كأئمة، وكمؤسسات دينية كرابطة العالم الإسلامي في شخص معالي الشيخ الدكتور محمد بن الكريم العيسى ومؤسسة الأزهر الشريف وغيرها من المؤسسات الدينية المعتبرة في الأمة. مع التأكيد على أن مثل هذا المشروع كان يمكن أن يكتسب قوة أوسع وحضورًا أعمق فيما لو شاركت فيه مؤسسات دينية أخرى مماثلة، بما يسهم في تحقيق شبه إجماع ومباركة أوسع للعمل. ونؤكد أن هذا النقد ليس تبخيسًا للجهود، بل هو: نقد علمي، تقويمي ، إصلاحي، صادر من داخل المنظومة الفقهية، هدفه الارتقاء بالعمل لا هدمه؛ وسنعمل – بإذن الله تعالى – على مناقشة محاور هذا الدليل في المساجد والندوات والمقالات والملتقيات العلمية على المستوى الوطني الفرنسي والدولي، ورفع الملحوظات العلمية إلى القائمين عليه في إطار مؤسسي محترم، قائم على الحوار، لا الصدام، وعلى الإصلاح، لا الإقصاء.

نسأل الله أن يبارك جهود الجميع، وأصحاب النيات الحسنة والمبادرات الطيبة النافعة؛ ويسدد الخطى، ويتقبل الأعمال، والله من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل.

الموقعون أسفله :

ذ. محمد المهدي اقرابش (عضو بآكاديمية نيم، إمام خطيب ومرشد ديني بالمستشفيات، عضو بمنتدى الاسلام بفرنسا، أمين عام المجلس الوطني للإرشاد الإسلامي بفرنسا، )

ذ. صلاح الدين المراكشي ( دكتوراه في فلسفة التربية الإسلامية إمام وخطيب ومرشد ديني بالمستشفيات والسجون بفرنسا )

ذ. إبراهيم أمزضاو ( إمام وخطيب ومرشد وباحث بسلك الدكتوراه مرشد ديني للحجاج والمعتمرين بفرنسا )

ذ. حسن الفاضلي ( دكتوراه في الفقه الإسلامي إمام وخطيب بفرنسا )

ذ. محمد الموساوي ( ماستر في العلوم الشرعية بلجيكا، إمام وخطيب بفرنسا )

ذ. محمد آيت زنو (إمام وخطيب بفرنسا)

ذ. عبد اللطيف بن عمر (إمام وخطيب بفرنسا خريج معهد محمد السادس لتكوين الائمة والمرشدين والمرشدات)

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...