ندوة.. نحو مشروع قومي لبناء الفكر: تكامل الثقافة والوعي الديني في خدمة الوطن
رشيد المباركي
في إطار فعاليات البرنامج الثقافي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، نظّم جناح دار الإفتاء المصرية ندوة فكرية بعنوان «نحو مشروع قومي لبناء الفكر: تكامل الثقافة والوعي الديني في خدمة الوطن»، وذلك في سياق الدور التوعوي الذي تضطلع به دار الإفتاء في ترسيخ الوعي الرشيد، وتعزيز الشراكة مع المؤسسات الفكرية والدينية، ومواجهة تحديات الاستقطاب وتفكك المعنى في الفضاء العام. شارك في الندوة الأستاذ الدكتور محمد بشاري، الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، والعلّامة الأستاذ الدكتور عبد الله مبروك النجار، عضو مجمع البحوث الإسلامية، وأدار الحوار الدكتور عاصم عبد القادر، عضو المكتب الفني لمفتي الجمهورية.
انطلقت الندوة من سؤال مركزي يتصل ببناء الوعي الوطني في زمن تتسارع فيه التحولات المعرفية والرقمية: كيف يمكن استعادة الدين بوصفه ضميرًا أخلاقيًا جامعًا يخدم الوطن، دون أن يُستدرج إلى منطق الاصطفاف أو يتحول إلى أداة فرزٍ اجتماعي أو سياسي؟ وهو سؤال لا يتصل بتجديد الخطاب الديني في بعده الشكلي، بقدر ما يتعلق بإعادة تأسيس وظيفته في المجال العام على أسس معرفية وأخلاقية راسخة.
في مداخلته، قدّم الدكتور محمد بشاري قراءة تشخيصية عميقة لاختلالات الخطاب الديني المعاصر، مؤكدًا أن الأزمة لا تنبع من النص ولا من التدين في ذاته، بل من انزياح الوظيفة حين يُنزَع الدين من مقامه الأصيل بوصفه مرجعية أخلاقية عامة، ويُدفع إلى ساحات التنافس على النفوذ والتمثيل والاحتكار. في هذه اللحظة، يتغير موقع الدين في الوعي العام: من ميزان جامع يحمي السلم المجتمعي إلى راية استقطاب تُغذّي ثنائية “نحن/هم”، وتحوّل الاختلاف الطبيعي إلى صراع يُنتج التخوين ونزع الثقة.
وانطلق بشاري من قاعدة أصولية عملية تميّز بين دائرتين لا يجوز الخلط بينهما: دائرة القيم الكلية الجامعة التي تضبط الاجتماع الوطني وتُلزم الجميع، ودائرة التدين الفردي وتجارب الإيمان الخاصة التي تبقى في مجالها، ولا تُدار بها شؤون المجال العام. وبيّن أن الخلل يبدأ حين تُسقَط الخصوصيات على الشأن العام، أو حين تُهمَل القيم الجامعة، فتُفتح فجوة معنوية تملؤها سريعًا خطابات الإثارة والكراهية، خاصة في ظل اقتصاد رقمي يكافئ الاستفزاز ويجزّئ المعنى.
وفي هذا السياق، شدد على أن استرداد الوظيفة الجامعة للدين لا يتحقق بتكثير الشعارات، بل بترسيم واعٍ بين ما هو جامع وما هو خاص، وبإعادة الاعتبار للدين بوصفه ضميرًا أخلاقيًا يقيس به الإنسان أفعاله في علاقته بالمجتمع والكون، لا هوية تُستخدم ضد الآخر. فالسؤال الجوهري ليس: من يتحدث باسم الدين؟ بل: من يلتزم بأخلاقه في المجال العام؟ وعندما يصبح الدين معيارًا للأمانة والمسؤولية وحفظ السلم المجتمعي، يتراجع منطق التخوين تلقائيًا، وتُستعاد الوحدة من داخل قيم مشتركة لا عبر اصطفافات متقابلة.
كما تناول الدكتور بشاري التحديات الجديدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على الخطاب الديني، معتبرًا أنه يفتح أسئلة غير مسبوقة حول الحكم والمسؤولية ومحل التكليف: من يتحمل الخطأ عند إساءة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي؟ المستخدم أم المصمم أم المؤسسة؟ وأوضح أن هذه التحولات تفرض تطوير خطاب ديني قادر على التعامل مع الواقع الرقمي دون التفريط في العمق المعرفي أو القيم الأخلاقية، مؤكدًا أن المشروع القومي لبناء الفكر يمكن تلخيصه في معيارين حاسمين: أن الدين حين يُستعاد بوصفه ميزانًا للأخلاق يجمع ولا يفرّق، وحين يتحول إلى راية للخصومة والاستقطاب يُنتج الانقسام ويقوّض السلم المجتمعي.
من جانبه، قدّم العلّامة الدكتور عبد الله مبروك النجار مداخلة تأسيسية ربط فيها بين الثقافة والدين بوصفهما علاقة عموم وخصوص متداخل، لا انفصال فيها ولا تجاور عابر. وأكد أن الثقافة ليست وعاءً محايدًا، بل إطار الفهم والتنزيل، وأن اختلال العلاقة بين الدين والثقافة يفضي إلى انحراف في السلوك والوعي معًا. واستعاد تجربة فكرية عاشها في نقاشه مع المفكر الدكتور زكي نجيب محمود حول ترتيب دوائر الانتماء، موضحًا كيف قادته التجربة والوقائع إلى مراجعة موقفه السابق، بعد أن كشفت الممارسات المتطرفة خطورة تقديم الانتماء الديني على الوطني حين يُنزَع من سياقه العلمي الرشيد ويُستغل لتهميش الوطن وإفراغه من قيمته.
وأوضح النجار أن الوطن ليس نقيضًا للدين، بل مجاله الطبيعي وأرض تنزيله، وأن ترتيب الانتماء يبدأ من الدائرة الأضيق، أي الوطنية، ثم يتسع إلى الدائرة القومية، ثم إلى الدائرة الدينية الجامعة. فحين يُفرَّغ الوطن من قيمته الأخلاقية، يتحول الانتماء الديني إلى فكرة معلّقة قابلة للتسييس والانحراف، وتُفتح الأبواب أمام من يتاجرون بالدين والوطن معًا.
وتناول فضيلته التمييز الأصولي بين الحق الخاص والحق العام، مبيّنًا أن العبادات والتديّن الفردي شأن بين الإنسان وربه، ولا يجوز أن تُنقل إلى إدارة الشأن العام، بينما تقوم الحياة المشتركة على الحق العام الذي يجب أن يُقدَّم ويُصان؛ لأنه الضامن الحقيقي لاستقرار المجتمع وحفظ الحقوق الخاصة. وأكد أن الأمم لا تُقاس بشعاراتها، بل بمدى احترامها للحق العام، وأننا في حاجة إلى ثقافة تُعيد الاعتبار للأمانة والمسؤولية في جميع المجالات.
وفي تعقيبه، أكد الدكتور عاصم عبد القادر أن الحديث عن مشروع قومي لبناء الفكر لم يعد ترفًا نظريًا، بل ضرورة حتمية في ظل تحولات تمس وعي الإنسان ووجدانه، مشددًا على أن بناء الفكر قضية مركبة تتطلب تكاملًا واعيًا بين الثقافة والوعي الديني، دون اختزال أو تبسيط. وأشار إلى أن الكلمة والصورة والخطاب الإعلامي باتت أدوات مركزية في تشكيل العقول، ما يحمّل صناع الوعي مسؤولية كبرى في حماية المجال العام من التضليل، وإعادة بناء الإدراك على أسس معرفية وأخلاقية راسخة.
واختُتمت الندوة بتأكيد جامع مفاده أن التكامل بين الثقافة والوعي الديني شرطٌ لبناء إنسانٍ معتز بدينه ووطنه، منفتح على غيره دون ذوبان، وقادر على التفاعل مع تحديات العصر دون فقدان البوصلة القيمية. وأن صيانة الدين في زمن الاستقطاب تكون بإعادته إلى مقام الضمير الأخلاقي الجامع، لا بإقحامه في معارك المعنى؛ فحين يُستعاد الدين في وظيفته الجامعة يحمي الوطن، وحين يُنزَع من هذا المقام يتحول إلى أداة تفكيك، مهما حسنت النيات أو تجمّلت العبارات.
التعليقات