من يقود موجة “أميركا بلا شريعة” داخل الكونغرس الأمريكي ولماذا الآن؟

14 فبراير 2026

دين بريس ـ سعيد الزياني
أعادت موجة سياسية وإعلامية أميركية برزت خلال الأيام الأخيرة خطاب “مناهضة الشريعة” إلى قلب النقاش العام، بعدما ظل لسنوات موضوعا هامشيا يطفو مع كل موسم انتخابي ثم يخفت.

وتبدو هذه العودة أكثر صراحة من السابق لأنها تمر عبر قنوات مؤسساتية واضحة: تشكيل كتلة داخل الكونغرس تحمل اسما مباشرا، وتنظيم جلسة استماع رسمية بعنوان صدامي، ثم الدفع بمشاريع قوانين تقدم للرأي العام باعتبارها “تحصينا دستوريا” ضد ما يوصف بـ“قانون أجنبي”.

وتوحي القراءة لهذا المسار بأن الأمر لا يرتبط بظهور وقائع قانونية جديدة بقدر ما يرتبط بإعادة تشغيل ماكينة “حروب الهوية” في سياق سياسي أميركي متوتر، حيث تستثمر قضايا الدين والهجرة والأمن الثقافي في صناعة التعبئة، خصوصا داخل ولايات تتحول فيها المنافسة الحزبية الداخلية إلى سباق على الأكثر تشددا، وفي مقدمتها تكساس.

وتتجسد أولى إشارات هذا المنحى في تفعيل ما يسمى “Sharia-Free America Caucus” داخل مجلس النواب، وهي كتلة أعلنها النائبان الجمهوريان عن تكساس “تشيب روي” و”كيث سيلف” في دجنبر 2025، وقدماها كإطار لتجميع مبادرات تشريعية تستهدف ما تسميه “تمدد الشريعة”.

وبقدر ما يبدو الاسم تقنيا في ظاهره، فإنه يحمل شحنة رمزية قوية، لأنه يضع الإسلام في موقع “الخصم” داخل سردية حماية الدستور، ويستدعي ذاكرة مرحلة شهدت موجة واسعة من القوانين المحلية التي استهدفت “الشريعة” بعد 2010.

وخلال فبراير الجاري، خرج هذا المسار إلى العلن أكثر عبر جلسة استماع للجنة فرعية تابعة للجنة القضاء بمجلس النواب، حملت عنوانا يختزل الرسالة السياسية المقصودة: “أميركا بلا شريعة: لماذا يتعارض الإسلام السياسي والشريعة الإسلامية مع الدستور الأميركي”.

ومن الناحية الخطابية، تتجاوز هذه الصياغة مجرد طرح سؤال قانوني عن حدود حرية المعتقد، إذ تنطلق منذ البداية من افتراض وجود “بنية سياسية بديلة” تنازع الدستور، وهو ما يجعل الجلسة أقرب إلى صناعة صورة “الخطر الداخلي” منها إلى منصة لتدقيق الوقائع والتحقق منها.

وتقوم هذه السردية على خلط محسوب بين مفهومين مختلفين: “الشريعة” باعتبارها منظومة دينية وأخلاقية يلتزم بها المؤمن في حياته الخاصة، و“الإسلام السياسي” باعتباره مشروعا سلطويا، وعندما يذوب الحد الفاصل بين الاثنين داخل الخطاب السياسي، يصبح من السهل تسويق فكرة أن المسلمين، ككتلة اجتماعية، يحملون “نظاما قانونيا بديلا”.

وتتحول عبارة “حماية الدستور” إلى مفتاح يمنح شرعية لأي خطوة تقييدية قد تصاغ لاحقا في لغة قانونية تبدو محايدة، مثل منع “قوانين أجنبية”، بينما تتجه آثارها العملية نحو فئة دينية بعينها.

وتكشف تغطيات محلية في تكساس كيف يجري تثبيت هذه السردية داخل واقع انتخابي وديمغرافي، إذ هاجم النائب “تشيب روي” خلال الجلسة نمو عدد المسلمين في تكساس، وادعى أن “الكثيرين” قد “يؤيدون مبادئ الشريعة”، في وقت تتحدث نفس التغطيات عن غياب أدلة ملموسة على وجود مسعى واقعي لفرض الشريعة بالقوة على الأميركيين.

ويستنتج من هذا التناقض أن جوهر المسألة يتمثل في صناعة انطباع بالخطر قابل للتعبئة في موسم الانتخابات، خاصة حين يقدم النقاش للجمهور على أنه مواجهة بين “قيم أميركية” و“نظام أجنبي”.

وفي موازاة مجلس النواب، انتقل المسار إلى مجلس الشيوخ عبر مشروع قانون بعنوان “قانون هزيمة الشريعة في أميركا”، قدمه السيناتور جون كورنين (تكساس) رفقة السيناتور تومي توبيرفيل.

وتعرض البيانات السياسية للمشروع القانون بوصفه أداة لوقف “انتشار الشريعة”، عبر صياغة تربط بين “التمييز في تقديم خدمات أو امتيازات على أساس الشريعة” وبين خرق قانون الحقوق المدنية، وبالتالي يبرز سؤال قانوني حساس: هل يتعلق الأمر بإصلاح ثغرة تشريعية حقيقية، أم بإعادة تعريف سياسية لمفهوم التمييز تُستخدم لتوسيع دائرة الاشتباه والوصم ضد مؤسسات وجمعيات بعينها؟

ويزداد هذا السؤال وجاهة لأن النصوص التي تبنى على مفاهيم فضفاضة تفتح الباب عادة أمام نزاعات قضائية طويلة حول المقصود بـ“الشريعة” نفسها: فهل يتحدث المشروع عن أحكام دينية داخل جماعة خاصة؟ أم عن سلوكيات طوعية ضمن جمعيات؟ أم عن ممارسات جنائية؟

ويمنح هذا الاتساع الدلالي السياسيين مرونة كبيرة في التواصل مع الجمهور، لأن الغموض يسمح بتوجيه الرسالة إلى أكبر عدد من الناخبين، ثم ترك التفاصيل للمحاكم عندما يبدأ الصدام القانوني.

ويتغذى انتشار هذه الموجة أيضا من البيئة الإعلامية الرقمية التي تفضل العناوين الصدامية وتضخم المخاوف عبر قصص محلية تقدم باعتبارها تهديدا وطنيا، وقد أشارت بعض التغطيات إلى أن مشروع “كورنين” جاء وسط جدل محلي في شمال تكساس مرتبط بمشروع تطوير سكني ذي طابع “متمركز حول المسلمين”، وهي حالات تتحول بسرعة إلى وقود لتعميم فكرة “المجتمعات المغلقة” و“القانون البديل”، بغض النظر عن نتائج التحقيقات أو الوقائع القانونية الفعلية.

وترى منظمات حقوقية ومسلمة أن هذه الخطوات تعيد إحياء ما تسميه الأدبيات الأميركية “ذعر الشريعة” الذي تصاعد بعد هجمات 11 سبتمبر ثم عاد بقوة في بدايات العقد الماضي.

وتلجأ هذه المبادرات إلى مفاهيم عامة مثل “قوانين أجنبية” أو “أنظمة بديلة” بدل تسمية المسلمين مباشرة، مع إبقاء الرسالة السياسية واضحة في الحملات والخطابات، وهذا المسار يجعل المعركة، إذا تقدمت مشاريع القوانين، مرشحة للانتقال بسرعة إلى القضاء، حيث تختبر النوايا التشريعية والمعايير الدستورية وحدود التمييز.

ويبدو أن اليمين الأميركي بدأ اعادة خلط أوراقه، فكلما تعقد ملف الهجرة وتداخل مع الأمن والحدود والاستقطاب الداخلي، تحولت “قضية الإسلام” إلى مادة سهلة لإنتاج انقسام أخلاقي سريع: فريق يدعي الدفاع عن “القيم” والهوية الوطنية، وفريق يرد بالحديث عن الحريات والمواطنة المتساوية، وفي هذه اللحظة تحديدا، يبدو أن إعادة إحياء خطاب مناهضة الشريعة يوفر أداة جاهزة لإشعال هذا الانقسام بأقل كلفة سياسية لدى القاعدة المحافظة.

وإذا استمرت هذه الموجة، فإن الولايات المتحدة مرشحة لجولة جديدة من الاستقطاب تدار بثلاث أدوات متوازية:

ـ جلسات استماع تمنح الشرعية الرمزية.

ـ مشاريع قوانين تخلق التهديد القانوني.

ـ ومنصات إعلامية رقمية ترفع منسوب الضجيج الشعبي.

وفي جميع الحالات، ترتفع كلفة هذا النقاش على فكرة المواطنة المتساوية وعلى علاقة الدولة الأميركية بأقلياتها الدينية، إذ إن تقديم دينٍ ما بوصفه “خطرا دستوريا” لا يظل محصورا داخل القاعات التشريعية، وإنما يمتد أثره إلى الشارع وسوق الشغل والمدرسة، ويعيد تشكيل صورة المسلمين داخل المجال العام.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...