من كواليس الأمم المتحدة إلى مفاصل البيت الأبيض وصراع الأجنحة الدامي مع الحرس الثوري
علي البلوي
منذ اللحظة التاريخية الفارقة التي أعقبت الثورة الإسلامية عام 1979، أدرك النظام الإيراني أن الصدام الخشن المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية لن يفضي إلا إلى استنزاف مقدرات الدولة، ومن هنا ولدت في الخفاء استراتيجية “الاختراق من الداخل” التي صاغها ونظر لها صادق خرازي، نائب وزير الخارجية الأسبق، والذي يُعد المصمم الفعلي لما بات يُعرف في الأدبيات السياسية الإيرانية بـ “عصابة نيويورك” (باند نيويورك).
هذه الشبكة التي ضمت نخبة من الدبلوماسيين الذين عاشوا ودرسوا في الغرب، وعلى رأسهم محمد جواد ظريف وعباس عراقجي، لم تكن مجرد وفد دبلوماسي، بل كانت طليعة سياسية ناعمة تهدف إلى بناء “لوبي” منهجي متغلغل داخل المؤسسات الأمريكية، مهمته الأساسية إعادة صياغة الوعي الجمعي لصناع القرار في واشنطن بما يخدم بقاء النظام وتكريس دوره كقوة هيمنة إقليمية عبر لغة “المظلومية” و”الاستقرار المشترك”.
لقد اعتمدت هذه الشبكة في تمددها على بناء أذرع تنفيذية قوية، يمثل “المجلس الوطني للإيرانيين الأمريكيين” (ناياك) حجر زاويتها، حيث تحول تحت قيادة تريتا بارسي إلى الحصن الحصين للدفاع عن مصالح طهران وتشويه صورة خصومها الإقليميين، مستفيداً من تمويلات ضخمة تدفقت عبر واجهات مثل “مؤسسة علوي” وصندوق “بلاوشيرز”.
هذه المنظومة الأكاديمية والمالية نجحت في خلق ما وصفه المسؤول الأمريكي السابق بن رودس بـ “فقاعة الصدى”، وهي بيئة إعلامية وسياسية اصطناعية صُممت لتمرير الاتفاق النووي عام 2015 وتصويره كضرورة كونية، بينما كان في جوهره صك غفران سياسي أفرج عن 150 مليار دولار من الأصول المجمدة، ومنح طهران الغطاء لتوسيع نفوذ ميليشياتها، مع النجاح في تحويل الأنظار عن التورط الإيراني في أحداث 11 سبتمبر عبر إعادة توجيه الجدل نحو الحلفاء التقليديين لواشنطن.
بيد أن هذا التمدد الخارجي، الذي وصل إلى زرع كوادر في مفاصل حساسة كوزارة الخزانة والبنتاغون ومجلس الأمن القومي عبر أسماء مثل سحر نوروزيان وآريان طباطبائي وروبرت مالي، اصطدم بجدار التناقض البنيوي مع “الحرس الثوري”. فبينما يرى “النيويوركيون” أن بقاء النظام يتطلب اختراق المنظومة الدولية، يؤمن الحرس الثوري والجهاز الاستخباراتي بأن أمن النظام يقوم على “الردع الخشن”.
هذا الصراع الذي كان مكتوماً لسنوات، انفجر بشكل علني ودراماتيكي في أبريل 2026، عقب إعلان وزير الخارجية عباس عراقجي فتح مضيق هرمز أمام السفن التجارية في محاولة لإرسال “إشارة انفتاح” لواشنطن.
هذا الإعلان أثار غضباً عارماً في صفوف قيادات الحرس الثوري، الذين رأوا في خطوة عراقجي “خيانة ميدانية” تمت دون تنسيق مع القيادات الأمنية المسؤولة عن المضيق، وهو ما وثقته تقارير صحيفة “وول ستريت جورنال” التي أكدت أن العسكريين اعتبروا تصرف الوزير محاولة يائسة للتسوية على حساب القوة الردعية.
إن التناقض الجذري بين المسار الدبلوماسي الذي تقوده “عصابة نيويورك” والمسار الأمني الذي يمسك به الحرس الثوري كشف عن فجوة عميقة في الانسجام الداخلي الإيراني، خاصة بعد الضربات التي استهدفت بنية النظام القيادية وأنظمة اتصالاته.
فالحرس الثوري لم يكتفِ بالاستياء، بل عمد إلى إفشال إعلان عراقجي ميدانياً عبر اعتراض السفن التجارية، موصلاً رسالة مفادها أن “الميدان” لا يخضع لوعود الدبلوماسيين. هذا التشظي المؤسساتي يثبت أن اللوبي الإيراني في الخارج لم يكن يوماً مشروعاً للانفتاح الحقيقي، بل كان “أداة وظيفية” يستخدمها المرشد الأعلى لتنفيس الضغوط الدولية، بينما تظل الحقيقة الميدانية رهينة استراتيجية الحرس الثوري الصدامية، مما يضع المجتمع الدولي أمام واقع مفاده أن الاتفاق مع “وجوه نيويورك” لا يضمن أبداً انضباط “بنادق الميدان” في طهران.
التعليقات