من التدبير العمومي إلى مناولة العلاج: تحولات مقلقة في بنية المستشفى العمومي

21 أبريل 2026

بوشعيب شكير ـ عضو المكتب الوطني للنقابة الوطنية لقطاع الصحة CGT santé
تشهد المنظومة الصحية العمومية في المغرب تحولات مقلقة، تكشف في عمقها عن انتقال تدريجي من منطق الخدمة العمومية إلى منطق السوق. فقرارات تفويت خدمات علاجية وشبه علاجية إلى شركات خاصة، تحت يافطة “النجاعة” و”تخفيف العبء”، لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق أوسع يتجه نحو خوصصة فعلية، ولو بشكل غير معلن، لقطاع يفترض فيه أن يظل أحد أعمدة الحماية الاجتماعية.

وما يجري اليوم على مستوى المجموعة الصحية الترابية طنجة تطوان الحسيمة ليس سوى نموذج واضح لهذا التحول. فقد تم إطلاق طلبات عروض لتفويض مهام مرتبطة مباشرة بالعلاج، مثل خدمات “مساعدي العلاج” و”التعقيم”، في خطوة تعكس توجهاً مقلقاً نحو إدخال منطق المناولة إلى صلب العملية العلاجية، وليس فقط في الجوانب اللوجستية أو الداعمة.

المشكل هنا لا يتعلق بإجراء تقني معزول، بل بتحول عميق في الفلسفة التي تؤطر المرفق الصحي. فحين تصبح مهام ترتبط مباشرة بصحة المواطن موضوع “طلبات عروض”، نكون أمام إعادة تعريف ضمنية للصحة: من حق اجتماعي مضمون، إلى خدمة قابلة للتفويت والتدبير وفق منطق الكلفة والربح. وهو تحول لا يمكن التقليل من خطورته، لأنه يمس جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن في مجال حيوي وحساس.

هذا التوجه يطرح أكثر من علامة استفهام. أولها يتعلق بجودة الخدمات، إذ يصعب ضمان نفس مستوى الالتزام والمسؤولية المهنية حين تُسند مهام حساسة لجهات خارج منظومة التكوين والتأطير العمومي.

وثانيها يرتبط بسلامة المرضى، لأن تعدد المتدخلين في العملية العلاجية يضعف وضوح المسؤوليات ويخلق مناطق رمادية في المحاسبة.

ثم هناك سؤال العدالة المهنية: ففي وقت يوجد فيه عدد مهم من خريجي مؤسسات التكوين العمومي في وضعية انتظار للإدماج، يتم فتح المجال أمام شركات المناولة لتولي مهام يفترض أن تُسند لكفاءات تم إعدادها داخل منظومة الدولة. هذا الاختيار لا يعكس فقط خللاً في تدبير الموارد البشرية، بل يكرس إقصاءً فعلياً ويقوض منطق تثمين التكوين العمومي.

وإذا كان هذا المسار يثير اليوم كل هذا الجدل، فإنه لم يكن مفاجئاً للجميع. فقد كانت النقابة الوطنية لقطاع الصحة CGT santé من بين الجهات التي نبهت مبكراً إلى مخاطر الانزلاق الذي قد تحمله تجربة المجموعات الصحية الترابية، خاصة في ظل غياب ضمانات صلبة تحصّن المرفق العمومي من منطق التفويت والتدبير المفوض.

وقد جاء هذا التحذير في سياق كان يطغى عليه خطاب احتفائي بالتجربة، حيث قُدمت كحل جاهز لمختلف اختلالات القطاع، دون نقاش كافٍ حول مآلاتها الحقيقية.

اليوم، ومع شروع بعض المكونات في تفويت خدمات ذات طابع علاجي، تتأكد وجاهة تلك القراءة الاستباقية. إذ لم يكن التخوف من فراغ، بل من تصور واضح مفاده أن أي إصلاح لا يُبنى على تقوية الموارد البشرية العمومية، واحترام مساطر التوظيف، وضمان الاستقلالية المهنية، سيفتح الباب تدريجياً أمام تسليع الصحة وتحويل المستشفى العمومي إلى فضاء قابل للتفويت.

الأخطر من ذلك أن هذا المسار لا يقف عند حدود بعض الخدمات، بل يؤسس لنموذج قابل للتوسع. فحين يتم قبول تفويت جزء من الوظائف العلاجية اليوم، يصبح من السهل توسيع الدائرة غداً لتشمل مجالات أخرى، إلى أن يتحول المستشفى العمومي تدريجياً إلى منصة لتدبير خدمات مفوضة بدل كونه فضاءً عمومياً متكاملاً.

إن إصلاح القطاع الصحي ضرورة لا جدال فيها، لكن الإصلاح لا يمكن أن يمر عبر تفريغ المرفق العمومي من جوهره الاجتماعي. المطلوب هو تعزيز قدراته، وتحسين حكامته، وتثمين موارده البشرية، لا تحويله إلى مجال للتجريب أو إلى سوق مفتوحة.

ما يقع اليوم ليس مجرد نقاش تقني حول تدبير الخدمات، بل هو سؤال عميق حول مستقبل الحق في الصحة: هل سيظل حقاً مضموناً داخل مرفق عمومي قوي، أم سيتحول تدريجياً إلى خدمة تُعرض وتُشترى وفق منطق السوق؟

الإجابة بدأت تتشكل… لكنها لم تُحسم بعد.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

أي مغرب نحتاج بعد الحرب؟

عمر العمري تفرض الحرب المدمرة التي دارت خلال الأسابيع الماضية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران و”حزب الله” من جهة أخرى، على المغرب، وهو يراقب من أقصى الغرب العربي هذا التحول العنيف في موازين الصراع، وقفة تأمل عميقة لاستخلاص العبر، ومراجعة الواقع الوطني، وتشخيص مجالات النقص والضعف، وصياغة عناصر القوة التي ينبغي بناؤها في […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...