من البنية إلى التحقق: كيف تحول الحب والجمال إلى نمط عيش عند الشيخ الكامل محمد بن عيسى
د. أسامة علي بن هامل
رئيس مركز الشيخ أحمد القطعاني للثقافة والدراسات الإسلامية
طرابلس
إذا كانت الحلقة السابقة من مقال “البنية التأسيسية للحب والجمال في المدرسة العيساوية عند الشيخ الكامل محمد بن عيسى”، قد اشتغلت على تفكيك البنية الخطابية للمدرسة العيساوية من حيث هي جهاز مفاهيمي يقوم على ثنائية خاصيتي “الحب والجمال” في مقابل خطاب الترهيب في إنتاج التدين، فإن هذا المقال ينتقل إلى تتبع تشكّل هذا المفهوم داخل سيرة الشيخ الكامل محمد بن عيسى، من خلال علاقته بأستاذه أحمد بن عمر الحارثي في فهم البنية التكوينية الأولى للتجربة العيساوية. سنعتمد في ذلك على ما وثقه شيخنا أحمد القطعاني لهذه المرحلة من حياة الشيخ الكامل، حيث يتجاوز العرض السرد التاريخي والعلاقة المدرسية، مبرزا كيف صارت تلك المفاهيم نمط عيش يتجسد في السلوك اليومي.
يصف شيخنا القطعاني شيخنا حال الأستاذ الحارثي وهو يمتهن خوص الأطباق، بإنه “لا يدخل الخيط وأو يخرجه في السعف في كل مرة إلا بكلمة التوحيد لا إله إلا الله”(الشيخ الكامل محمد بن عيسى، الشيخ أحمد القطعاني، ص 45)، في درس عملي يرسخ حضور الذكر في العمل يسكنه ولا يجاوزه فقط، فلا مسافة بين الفعل والمعنى إذ يحدث الاندماج الكامل لصلب العقيدة (لا إله إلا الله) في العمل ليصبح إيقاع يمارس داخله، وتحضر المفاهيم الصوفية لــ “الجلوة” في مقابل “الخلوة” في الزمن اليومي كمجال دائم لاستحضار التوحيد كأسلوب لانتقال الذكر الى الحركة والعمل.
ثم يحدثنا الشيخ القطعاني عن عناية الأستاذ الحارثي بالكائنات الضعيفة، بما يشبه إنشاء “محمية” لها، إذ تأوي إليه “الكلاب يوماً والقطط يوماً والطيور يوماً فيطعمها وتستأنس به”، وحين سأله الشيخ الكامل أجابه: “هي جنود تعيننا على طاعة الله والتقرب إليه بأضعف مخلوقاته عندنا وأقواها عنده” (أعلام الطريقة العيساوية، ص 17 – 18)، حيث يندرج هذا المشد ضمن بناء علاقة بالطبيعة، بأن لا تبقى في الخارج بل حاضرة في داخلها، وإعادة ترتيب العلاقة بها ضمن أفق يجعل القرب من الله مرتبطاً بالطاعة من بعد الرحمة، ويعيد صياغة معاني القوة والضعف داخل هذا النظام.
لكن ما ظهر في المرحلة الأولى هو نصف الصورة، إذ يكمل الشيخ القطعاني بنقل مشهد حواري بين الشيخ الكامل وأستاذه، مضمونه هو أن الأصل النبوي مصدر فاعلية كل حب وجمال، حين يسأل الشيخ الكامل شيخه عن أدب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيجيبه: “هو الحب والحب يقتضي من المحب كل صفات الخير والثناء وإذا أردت أن تعلم أن صلاتك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقبولة فامتحن قلبك بحب الناس فإن أحببتهم في الله كانت صلاتك صلاة المقربين” (أعلام الطريقة العيساوية، ص 18)، ونحن هنا أمام انتقال من مركز الفعل إلى باطنه، حيث قبول العمل يقاس بأثره في سلوك الإنسان والمجتمع عندما يتجلى فيه أدب الصلاة، هل أصبح أكثر رحمة وحسناً مع الناس أم لا.
وفي المشاهد الثلاثة يتشكل وعي الشيخ الكامل داخل الصحبة بالذكر عملا وفهم العالم كشبكة رحمة، فتتبلور ملامح مبكرة للحب والجمال كتناغم وجودي لا كإحساس مجرد. يبدأ ذلك مع الخوص بوصفه تثبيتًا لـ”نبات” هش كي لا ينفرط، ثم يتسع في علاقة الحيوان كونه كائن ضعيف يحتاج الرعاية ليستمر، ليبلغ ذروته في الإنسان والمجتمع حيث يصبح الفهم تمحيصا للداخل، وثلاثتها تدمج التلميذ السالك في بنية غير مكتملة تحتاج إلى مشاركة رحيمة كي تستمر وتثبت، من خلال إدراك جمالي يقوم على الرفق لا على السيطرة.
ألا تذكرنا هذه الرحلة السلوكية بالأصلين الفكريين في المنهج الجزولي اللذين سبق وأن بيناهما، العقيدة كما تجلت في “حزب سبحان الدايم”، والعلاقة المباشرة بالحضرة النبوية كما تجلت في كتاب “دلائل الخيرات”، فالعلاقة بدأت مع الأستاذ الحارثي وهو يحول صلب العقيدة “لا إله إلا الله” الى معاش حي، ثم يسأل الشيخ الكامل أستاذه عن أدب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فمسار العلاقة بين الأصلين، بدأ بالأول وانتهى بالثاني، وبينمها عاش سلوك الحب والجمال فعليا.
لن نطيل، بل نرصد تجلي هذا النسق في سيرة الشيخ الكامل، حيث ينجد صلة المشهد الأولى مع أستاذه في حرفة الخوص، وهي من الحرف ذات الارتباط بالاقتصاد في مكناس، بإدراك مبكر لضرورة إدماج العمل في أفق رباني بما يجعل من الاقتصاد مجالا للطاعة بقدر ما هو إنتاج مادي، وهو ما انعكس لاحقاً في حياة الشيخ الكامل الذي صار من أبرز رجال الأعمال والاقتصاد. ونجد ارتباطا واضحا في علاقته بالأرض والزراعة، إذ كما توثقها السيرة العيساوية، فالشيخ الكامل استثمر في الزراعة وتطويرها وكان له بساتين واسع. وفي وعي من الشيخ القطعاني بهذا البعد كون الأرض مجال للمحبة والعناية لا موردا فقط، نقل في الأثناء، حوار بين الشيخ الكامل ومريد له كان ينوي بيع مزرعة تركها له والده، فقال له الشيخ الكامل : “هذه الأرض فيها ثروة كبيرة فازرعها وتعهدها ولا تبعها، فظن الرجل أن كنزا مخبأ فيها ، ثم لما زرعها درت عليه الرزق وكثر غرسه وماشيته عرف مقصد الشيخ الكامل فجاءه زائرا الزاوية ، وقال لإخوانه المريدين : تعلمت من الشيخ أن محبة الله تتجلى مظاهرها في محبة خلقه ، وأن محبة الأرض هي مظهر من مظاهر حب الله ويعرب الإنسان عنها بحرثها وغرسها والمحافظة عليها من التلف وبهذه العناية تعيش عليها مخلوقات لا حول لها في تدبير أرزاقها إلا بواسطة الإنسان”. (أعلام الطريقة العيساوية، ص33 ).
أما علاقته بالحياة البرية والطبيعة فتظهر امتداداً لهذا المعنى الرحماني للعالم، حيث تتكثف صور الألفة والحنوّ في رواية كرامات الشيخ الكامل المرتبطة بالكائنات البرية، حتى لُقِّب بـ”الفهدي”، وضمنها صور رمزية تكشف عن تركيب خاص للعلاقة بالكائنات قائمة على الحنو في على استيعاب أخطرها، الأسد الذي كان يرعب الحياة في أطراف مكناس، لا على السيطرة.
داخل هذا الأفق تتضح كذلك البنية الرمزية التي ستتجلى لاحقاً في خطاب العيساوية كله، حيث تتحول المحبة إلى هوية تعرف طريقة الشيخ الكامل حيث اشتهرت بأن “المحبة عيساوية” إذ تحول المضمون والسلوك الى هوية للطريقة. أما هو نفسه فقد صار وصفه الملازم له في تراجمه أنه “كان آية في المحبة” وتعبير “آية” أي كدليل حي على المحبة نقل السلوك الى علامة مميزة.
استضاف السلطان المغربي القطب الصوفي أحمد التيجاني، عندما حل بفاس، وصار يسأله خلال المجلس، ما تقول في فلان من الأولياء، والقطب التيجاني يجيب، حتى سأله “ما تقول في الهادي بن عيسى”، فأجابه القطب التيجاني جوابا مختلقا، إذ قال له “جميع الأولياء شربوا من بحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وسيدي الشيخ ابن عيسى غرق فيه” (أعلام الطريقة العيساوية، ص 36)، في جواب يعيد توضيح صورة العلاقة العيساوية المتفردة بين كل المدارس الصوفية، فالشرب يفترض مسافة بينما الغرق يلغيها، والشرب مشاركة بينما الغرق انمحاء وفناء، ذوبان في مصدر الحب والجمال ولذا صار حقا أنه “آية في المحبة” كونه صار فرعا أساسيا من فروع مصدرها.
وأحب أني أطلت، لكن قبل الختام أريد أن أقول: ابن عيسى أنتج خطاب الحب من داخله، فكان هو الذي منح الحب معناه وأعاد تشكيل دلالته داخل تفاصيل حياته، صحيح أن مبناه لا ينفصل عن معناه، لكن الأهم أن المعنى يتولد داخل الخطاب ويعيد إنتاجه من خلاله. واقترح أحد مقولاته البديعة العميقة التي يقول فيها “الحب لا ميزان له وكل لغة تكذب إلا لغة القلوب، وإذا أحببت فاستفت قلبك، وإذا أحسست بالبغض والكراهية فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم فنحن قوم لا نكره أحدا والكراهية ليست من شيمتنا وطبيعتنا” (أعلام الطريقة العيساوية، ص 33)، لتكشف عن خلاصة مكثفة لما سبق، ففيها يستحضر المحبة كمنطق ينتظم داخل بنية الوعي لا كقيمة يدعو لها فقط، معنى ينشأ من حركة القلب وهو يعيش أثره جليا، أما عندما تنشأ الكراهية فهو يعالجها لا بإنكارها ولا بالسماح لها الترسيخ أيضا، وإنما تواجه منذ البداية باستيعابها وإعادة توجيهها، بآليات الاستعادة وتقرير حقيقة أن الحب هو الطبيعة الأصل في الإنسان، فتقد الكراهية قدرتها على الاستقرار وتضعف أمام بوارق جمال الرحمة ولغة الحب التي لا تكذب، لا تكذب لأن صدقها نابع من سلوك معاش سابق على القياس، فلا يكون الميزان طرفا في انتاجها لأنها تنتج عما يحس ويعاش، لذلك لا فقدت صدقها ما دامت مرتبطة بالسلوك الداخلي الذي تأسس على الحب، بخلاف اللغات الأخرى التي تتحول الى قول مجرد منفصل عما يعيشه الإنسان.
أين نحن، وكل أساتذة التربية وعلم النفس، وفلسفة الأخلاق، وفلسفة الذات، وفلسفة اللغة، وعلم الاجتماع الديني والانثربولوجيا الدينية، الى آخر قائمة حقول المعرفة، هل ينطق أي منهم بمثل هذا الكلام، وفي حياته معاش كامل ترجم فيه منهج الترغيب فيم الحب والجمال.
أين نحن، وكل علماء وأساتذة التربية وعلم النفس وفلسفة الأخلاق وفلسفة الذات وفلسفة اللغة وعلم الاجتماع الديني والأنثروبولوجيا الدينية، وسائر حقول المعرفة المتصلة بالإنسان، من ريادة الشيخ الكامل هذه؟ ليجيبوا: من منهم اقترب في عمق هذا الفهم الذي جمع بين بناء الفكر وتجسيده في حياة معاشة، كما يتجلى في فكر الشيخ الكامل التي حول “الحب والجمال” إلى منهج سلوك يومي وليس مجرد تصور نظري تطفح به النظريات والكتب والمجلدات دون أن تغادرها؟!!
التعليقات