من آثار النزعة الداعشية على المجتمع التونسي

23 فبراير 2026

محمد الحداد. باحث تونسي 

في تونس، إلى حدود الثمانينيات، لو كتبت مثلاً: «من حقّ الصائم أن يصوم، ومن حقّ المفطر أن يفطر»، لما أثار ذلك انتباهاً يُذكر، إذ كان الأمر بديهياً، على الأقل في أوساط النخبة المتعلمة. كذلك الأمر في تركيا اليوم، وهي بلد إسلامي مهم، يحتفل البلد برمضان دون أن ترى فيه أيّ توتّر، ولا يجبر أحد على شيء.

لقد طرأت تحوّلات في تونس، ارتبطت، في جانب منها، بتأثير القنوات الفضائية الخارجية، ثم المواقع الإلكترونية المشبوهة، فقد عملت، مع وكلائها المحليين، على إزاحة نمط التدين التونسي المعتدل والمتسامح، والدفع نحو أنماط أكثر انغلاقاً وحدّة، تبلغ حدود التكفير. جرّب اليوم أن تكتب الجملة نفسها، وسترى حجم العنف اللفظي، وسيل الاتهامات الجاهزة، والتكفير الصريح أو المقنّع.

ومع ذلك، فإنني أميل إلى التفاؤل. فثمة مؤشرات تدل على أن الأجيال الجديدة فهمت من كان يحرّك تلك الخطابات وما كانت الغاية منها. إنها أجيال متمسكة بدينها، ولكن من دون تعصّب أو انغلاق. المشكل يظل قائماً لدى شريحة من الجيل السابق، ما زالت تحمل لوثات الفكر الداعشي، وتقع (أحياناً دون وعي)، في منزلقات التكفير، غير أن هذه الشريحة لم تعد تمثل سوى أقلية.

لقد فرض الدين الصيام باعتباره عبادة فردية ذات بعد روحي وأخلاقي، لكنه لم يفرض على أحد أن يفرضه على غيره، أو أن يتحوّل إلى رقيب على ضمائر الآخرين، ولا منحه سلطة التفتيش في العقائد والحكم على الناس بالإيمان أو الكفر. إنّ التكفير، بجميع أشكاله، انزلاق خطير يهدد السلم الاجتماعي ويفرغ الدين من مقاصده الإنسانية. وبدلاً من الانشغال بمَن يصوم ومَن لا يصوم، أليس الأولى أن نهتمّ بمن يبيت جائعاً؟ ومن يمرض ولا يجد دواءً؟ من يعاني من الأمية والتهميش؟ هناك يبدأ المعنى الحقيقي للتديّن، وتُختبر القيم في بعدها الإنساني والاجتماعي.

أما لوثات «الدعشنة» وأشكال التطرّف، فهي، رغم الصخب الذي تحدثه، تعيش مسارا متراجعا، وستنتهي إلى الزوال.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...