منهج محمد شحرور في التعامل مع القراءات القديمة: وقفة نقدية
د. عبدالله القيسي
سمعتُ مقطعًا لأحد ضيوف قناة مجتمع يتحدّث فيه عن منهج محمد شحرور، يتحدث أنّه ثار على الأدوات القديمة وابتكر أدوات جديدة، وأنّ ثلاثًا منها كانت قد رُدمت، والبقية اجتهدها من عنده: الاشتقاق، اللاترادف، السياق، الترتيل، التقاطع.
والحقيقة أنّ هذا الكلام غير دقيق وفيه شيء من السذاجة العلمية، فهذه أدوات قديمة متجدِّدة، وما عمله شحرور هو أنه في الغالب أساء استخدامها أكثر ممّا أحياها.
فأما الاشتقاق فتظهر مشكلته في الخلط بين الاشتراك الجذري والاشتراك الدلالي، فهو يربط بين الكلمات لمجرّد تقارب حروفها في الجذر أو تشابهها الصوتي، متجاوزًا المعنى المستقرّ في الاستعمال العربي. فحين جمع بين البنيان والبنون بحجّة انحدارهما من أصل واحد، ألغى الفارق الدلالي الذي رسّخته العربية والسياقات القرآنية، فصار “البنون” هو “البنيان”، مع أنّ اللغة تميّز بينهما تمييزًا صريحًا. وبالطريقة نفسها وصل بين النسيء والنساء، فحمّل لفظ النساء دلالات مأخوذة من النسيء، مع أنّ الأوّل مصطلح جاهلي يخصّ تنظيم الشهور، والثاني لفظ إنسانيّ مستقلّ لا صلة دلالية تجمعه بالأوّل.
وأمّا اللاترادف، فقد انتقل به شحرور من نفي الترادف التام ـ كما قرّره المحقّقون ـ إلى تفريق حادّ يقطع الصلة الدلالية بين الألفاظ المتقاربة. فاللغويون حين قالوا: لا ترادف في القرآن، قصدوا أنّ لكلّ لفظ خصوصيّة دلالية تمنعه من التطابق الكامل مع غيره، لا أنّه ينفصل عنه تمامًا. لكنه حوّل هذا المبدأ إلى تباعد دلالي تام، فصارت الألفاظ ذات الحقل الواحد عوالم منعزلة. ومثال ذلك القرآن – الكتاب – الذِّكر، فهذه ألفاظ متداخلة لمعنى واحد، مع فروق وظيفية: فالكتاب لما جُمع ودُوِّن، والقرآن لما قُرئ وتُلي، والذكر لما أثّر وذكّر. أمّا عنده، فهي مفاهيم منفصلة متباعدة.
وأمّا السياق، فمع أنّ إشكاليته قديمة في التفاسير، إلا شحرور وقع في إشكالية أعمق، إذ لا يدخل إلى النص من سياقه التاريخي واللغوي، وإنما يدخل إليه وفي ذهنه مفهوم معاصر يريد إثباته. ثم يحمّل الألفاظ ما يلزم كي تتوافق مع هذا المفهوم، ولو بتأويل متكلّف. وهكذا تقرأ آيات المرأة ولباسها مثلًا بمنظور مفاهيمي غربي وليس بعين العربية، فيُعاد تشكيل السياق لخدمة الفكرة المسبقة، فتخرج الآيات بدلالات مصطنعة ومتكلفة لا تحتملها لغة النص ولا بيئته.
وأمّا الترتيل، أي جمع الآيات التي تشترك في موضوع واحد ثم دراستها، فهو في الحقيقة أحد أساليب التفسير الموضوعي، قديمًا وحديثًا، لا ابتكارًا مستحدثًا. وأستغرب كيف تغيب هذه الحقيقة الواضحة عن الضيف.
وأمّا التقاطع، أي تتبّع الآيات المتقابلة أو المتقاطعة في المعاني، فذلك جزء من التفسير الموضوعي أيضًا، وضرب من دراسة السياق القرآني العام للكلمة، لا أداة مستقلة جديدة.
وأمّا مثال النبي الأمي الذي ضربه الضيف، ومعناه المنتمي إلى أُمّةٍ لا كتاب لها، فذلك قول معروف في التراث لا اكتشافًا معاصرًا، لكنّ كثيرًا من هؤلاء لا يكلّفون أنفسهم عناء التحقّق ممّا قيل قبلهم، فيظنّون ما يصلون إليه مفاهيم جديدة، ثم يتّهمون غيرهم بالجهل.
طبعًا الجهل بالتراث إشكالية قائمة لدى بعض المتدينين المتعصّبين أيضًا، إذ يهاجمون كل دلالة أو معنى أو فكرة ما دامت ـ في ظنّهم ـ غير واردة في كتب التراث، مع أنّ كثيرًا من تلك الدلالات موجود ولكنهم يجهلونها أو لم يطّلعوا عليها.
ومنهجيًّا فإن الرجوع إلى دلالة الكلمة في التراث لا يعني إغلاق باب التدبّر والتأمّل، ولا إنكار ما قد يصل له المتدبر من معانٍ قريبة للآيات، وإنما يقتضي أن يكون ذلك التدبّر غير متكلّف ولا مُصطنَع، فتحتمله الآية واللفظ في العربية وسياق القرآن، بعيدًا عن تحميل النص ما لا يحتمل.
التعليقات