مفاتيح شاكر النابلسي في نقد الحركات الإسلامية

17 فبراير 2026

منتصر حمادة

ضيف هذا العرض كتاب لمؤلف كان غزير الإنتاج، الباحث الأردني الراحل شاكر النابلسي، والذي كان همّه التنظير لخطاب النهضة والإصلاح، انطلاقا من مرجعية ليبرالية، حتى إنه كان “يُصنف” من قبل البعص بأنه أحد رموز “الليبراليين الجدد” في المنطقة العربية، وربما بسبب ذلك، كان يقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، لأن ترويج هذا الخطاب حينها، خاصة في حقبة ما بعد منعطف 11 شتنبر 2001، لم يكن هينا، وغالبا ما كان يثير حساسية أغلب التيارات الإيديولوجية العربية، يمينية كانت، يما فيها اليميني الديني ــ نسبة إلى الحركات الإسلامية ــ أو يسارية وغيرها.

فاقت عدد أعماله 60 كتابا، ويكفي تأمل عناوين بعضها حتى يأخذ القارئ فكرة أولية عن حضور الهم الإصلاحي بشكل عام في مضامينها، ذلك الذي يهم المنطقة العربية، والهم النقدي ضد الحركات الإسلامية، سلفية وهابية كانت أو إخوانية فالأحرى الجهادية السنية والجهادية الشيعية وغيرها.

من بين هذه العناوين، نذكر مثلا: “ابن لادن والعقل العربي: كيف فكر العرب بعد أحداث 11 سبتمبر 2007″، “أسئلة الحمقى في السياسة والإسلام السياسي”، “محامي الشيطان: دراسة في فكر العفيف الأخضر”، “الليبراليون الجدد: جدل فكري”، “تهافت الأصولية”، “العرب بين الليبرالية والأصولية الدينية”، “الليبرالية السعودية بين الوهم والحقيقة”، وأعمال أخرى، منها ضيف هذا العرض، وعنوانه “الإسلام وجراب الحاوي: لماذا حولنا الإسلام إلى حجاب وإرهاب؟” ويُعتبر الكتاب من الأعمال البحثية الجريئة التي تتناول نقد الفكر الإسلامي المعاصر إجمالا، ونقد الظاهرة الإسلامية الحركية بالتحديد، أي مجمل الحركات الإسلامية.

والكتاب في الواقع أشبه صرخة بحثية نقدية ضد الحركات الإسلامية أو ما اصطلح عليه “اختطاف الدين” [تعبير مجازي] من قبل الحركات الإسلامية، حيث يتوقف شاكر النابلسي ويدقق في الأسباب والمقدمات التي أدت إلى استغلال الإسلام على هذا النحو السيئ من طرف الإسلاميين، وخاصة بعد منعطفين اثنين: الثورة الإيرانية عام 1979، وما بعد اغتيال أنور السادات عام 1981.

يُحمل الكاتب أحد أهم أسباب ظهور الحركات الإسلامية لخطاب نسبة معينة من الفقهاء، وجاء نقده الصريح للإسلاميين، في الباب الثاني من الكتاب، حيث تعرض للظاهرة الإسلامية بنقد صريح من خلال اشتباكه مع أهم التيارات الدينية السياسية في العالم العربي، وكشفه لأسباب انتشار الأيديولوجيات المتطرفة، والأزمة التي يتعرض لها التيار الديني بشكل عام.

عنوان الكتاب الذي يتحدث عن “جراب الحاوي”، كان استعارة من المؤلف تروم وصف الطريقة التي يتم بها التعامل مع الدين في العصر الحديث، من منطلق أن البعض انخرط في التعامل مع الإسلام على شاكل التعامل مع وعاء أو جراب، قصد استخراج ما يشاء من فتاوى وتفسيرات لتبرير مواقف سياسية أو اجتماعية معينة، اتضح أنه غالبا ما تكون بعيدة عن روح النص الديني الأصلية، وما أكثر الأمثلة في هذا السياق هنا في المنطقة العربية، ويكفي التذكير بما صدر عن شيخ مصري يقيم في إحدى دول الخليج العربي، كان يحظى بدعاية إعلامية كبيرة، عندما أدلى برأي سياسية، روج له من قبل الإسلاميين باعتبارها “فتوى”، يطلب فيه من القوات الأمريكية “المارينز” التدخل لإسقاط وقتل العقيد معمر القذافي، والحال أن الفتوى، في السياق الخاص بالدول العربية الحديثة، لا تصدر في الفضائيات كذا بإطلاق، لكن حسابات جيوسياسية حينها، ساهمت في ترويج تلك المغالطات، ومن هنا دلالة الاستعارة التي لجأ إليها شاكر النابلسي وهو يتحدث عن “جراب الحاوي”.

بخصوص انتقادات الراحل للإسلاميين، فإنه يؤاخذ عليها الانخراط في تسييس الدين عوض تبني “تدين السياسية” بالأخلاق، أو توظيف الخطاب الديني بهدف الانقضاض على السلطة، وقد عاينا تطبيقات عملية لذلك في أحداث 2011 -2013، أو اختزال الدين في المظاهر، بينما الدين أعمق من ذلك بكثير، وهذه بالمناسبة، إحدى أهم النقاط التي تُميز وتفصل العمل الصوفي عن العمل الإسلامي الحركي.

بخصوص البدائل النظرية والعملية التي يطرحها المؤلف في الكتاب نفسه، فإنه يدعو مثلا إلى إعلاء قيم العقل، والتعامل أو قراءة المدونة التراثية بأعين نقدية، في إطار ما يُصطلح عليه عند البعض بـ”غربلة التراث”، ضمن بدائل أو مقترحات أخرى، تبقى قابلة للنقاش والجدل والأخذ والرد، لكن ما يُحسب للمؤلف، جرأته في نقد الظاهرة الإسلامية الحركية بشكل صريح وواضح، دون تقية أو ازدواحية أو مهادنة.

 

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...