مصير النظام الديني في إيران عند تقاطع ثلاثة متغيرات حاسمة
وائل صالح. باحث مصري
“في المحصلة، لا يمكن اختزال مستقبل إيران في معادلة جامدة بين الاستمرارية والانهيار. فالمشهد يبدو أقرب إلى طيف واسع من الاحتمالات يمتد من “الاستمرارية المُدارة” إلى التفكك البنيوي الكامل. فالنظام الذي بُني على هندسة دقيقة تجمع بين الشرعية الدينية والسلطة السياسية والقبضة الأمنية يواجه، في ظل غياب المرشد الأعلى، اختبارًا يتجاوز مسألة اختيار خليفة. إنه في جوهره اختبار لتوازن بنيوي تحت ضغط مركّب تتقاطع فيه الحرب والضغوط الاقتصادية وأزمة الشرعية في آن واحد.
موضوعيًا، قد تميل التقديرات قصيرة المدى إلى صيغة هجينة تجمع بين استمرارية مؤسساتية وتعاظم الدور الأمني، بالنظر إلى خبرة الدولة في إدارة الأزمات وصلابة أجهزتها القسرية. غير أن قراءة تحليلية أكثر نقدية، ولا سيما في ضوء التطورات التصعيدية الأخيرة، قد تشير إلى مسار أقل استقرارًا. فاستهداف مواقع مدنية في دول مجاورة بما يحمله من كلفة سياسية وأخلاقية وإقليمية، إلى جانب قرار إغلاق مضيق هرمز، وهو إجراء يتحدى مباشرة النظام الاقتصادي العالمي وأمن الطاقة الدولي، يعكس انتقالًا من إدارة المخاطر المحسوبة إلى سياسة حافة الهاوية الاستراتيجية. وعندما تلجأ دولة إلى هذا المستوى من التصعيد، فإن ذلك غالبًا ما يعكس تضاؤل الخيارات الاستراتيجية أكثر مما يعكس فائضًا في القوة.
إن إغلاق ممر بحري حيوي للتجارة العالمية لا يمثل مجرد مناورة تكتيكية، بل يشكل إعلانًا ضمنيًا للاستعداد لتحمل مواجهة مع القوى الكبرى. وفي هذا السياق، يصعب تصور أن الولايات المتحدة، وقد أصبحت منخرطة بشكل مباشر وغير مباشر في دورة التصعيد، ستقبل بعودة بسيطة إلى الوضع القائم دون إعادة ضبط جوهرية لمنظومة الردع. ومن هذا المنظور، قد يتجاوز الهدف احتواء السلوك الإيراني إلى دفع النظام نحو عتبة من الاستنزاف تقوض قدرته على إعادة إنتاج نفسه بالشكل الذي كان قائمًا سابقًا.
والقول إن النظام قد يكون بصدد دخول مرحلته النهائية لا يعني حتمية الانهيار الفوري. بل يشير إلى بداية مرحلة قد تتسارع فيها مؤشرات التآكل البنيوي. فعندما يتقاطع التمدد الخارجي المفرط مع ضغوط اقتصادية داخلية حادة وغياب سلطة موحِّدة قادرة على ضبط ديناميات النخبة، تزداد احتمالات عدم الاستقرار المتسارع. وأي انقسام علني داخل المؤسسة الأمنية في مثل هذه الظروف قد يحول أزمة قابلة للإدارة إلى لحظة انكسار بنيوي للنظام.
ومع ذلك، تظل هذه المسارات غير خطية وقد تتداخل فيما بينها. فقد تسبق مرحلة من التشدد الأمني والاستمرارية الظاهرية تشققات أعمق إذا استمر الاستنزاف. كما قد يوفر تصعيد القسر قدرًا من الاستقرار المؤقت، لكنه في الوقت ذاته قد يعمق العزلة الدولية ويوسع الفجوة بين الدولة والمجتمع. ومن ثم فإن التقدير بأن النظام يقترب من نقطة انعطاف حاسمة لا يستند إلى حدث دراماتيكي واحد، بل إلى قراءة تراكمية لمؤشرات التصعيد والاستنزاف والتمدد الاستراتيجي المفرط.
في النهاية، سيتحدد مصير النظام الديني في إيران عند تقاطع ثلاثة متغيرات حاسمة: تماسك النخبة الحاكمة تحت ضغط غير مسبوق، وقدرة الاقتصاد على الصمود في ظل العقوبات والتصعيد العسكري، واستعداد القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، للسماح بإعادة استقرار النظام بعد تجاوزه عتبات استراتيجية كبرى. فإذا تلاقت هذه العوامل ضد قدرة النظام على الاستمرار، فقد تتحول الأزمة الراهنة من اختبار لقدرة النظام على التكيّف وإعادة الإنتاج إلى قطيعة تاريخية قادرة على إعادة تشكيل المشهد السياسي الإيراني بصورة جذرية.”
التعليقات