“مشيخة الطريقة” لدى الزاوية الوزانية: سؤال المعنى والوظيفة في سياق التحول المؤسسي واختبار الرأسمال الرمزي في زمن الأزمات
محمد التهامي القادري
ليس سؤال «مشيخة الطريقة» لدى الزاوية الوزانية اليوم سؤال أشخاص أو أسماء، بقدر ما هو سؤال معنى ووظيفة وشرعية. فالتساؤل حول ما إذا كانت الزاوية الوزانية تتوفر فعلا على “مشيخة طريقة”، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون استعمالا لمصطلح ماضوي معلق في الفراغ، يضعنا مباشرة أمام إشكال مفاهيمي يتجاوز الجدل الظرفي، ويفرض العودة إلى تعريف “مشيخة الطريقة” بوصفها مؤسسة رمزية وتربوية، لا مجرد لقب متداول.
ذلك أن “مشيخة الطريقة”، في السياق التاريخي للزوايا المغربية الكبرى، لم تتشكل باعتبارها موقعا شرفيا أو امتيازا نسبيا، بل باعتبارها وظيفة مركبة تقوم على تلازم ثلاث شرعيات لا يستقيم بعضها دون بعض: شرعية علمية تُنتج الفهم ولا تكتفي باستظهار الموروث، وشرعية تربوية تُمارس التزكية والتوجيه وتسهم في بناء الإنسان أخلاقيا وروحيا وتهذيب الفاعل الاجتماعي، وشرعية رمزية اجتماعية نابعة من الاعتراف الجماعي بدور الشيخ باعتباره مرجعية جامعة. وبهذا المعنى، تكون “مشيخة الطريقة” بنية وظيفية تؤطر الحقل الاجتماعي للزاوية، وهو ما يمنحها القدرة على الاستمرار والتأثير.
غير أن الانتقال من هذا التصور المؤسسي لِـ”مشيخة الطريقة” في واقع الزاوية الوزانية اليوم، يكشف عن اختلال بنيوي لا يمكن تجاهله، إذ تبدو – كما تُستعمل في الخطاب السائد – منفصلة عن إنتاج المعرفة الروحية، عاجزة عن أداء وظيفة تربوية واجتماعية منتظمة، وغائبة عن صياغة خطاب قادر على ملامسة تحولات المجتمع وأسئلته الجديدة. وهنا يتحول المفهوم من كونها بنية وظيفية فاعلة ومنظمة للمعنى إلى مجرد تسمية لغوية وشكلية تستحضر التاريخ أكثر مما تُنتج الحاضر.
ومن أخطر ما يترتب عن هذا الوضع أن الإشكال لا يعود مرتبطا بغياب “شيخ الطريقة” كشخص، بقدر ما يرتبط بغياب المشيخة كدور. فحين تنقطع السلسلة الرمزية التي كانت تصل بين العلم والتربية، وبين المرجعية الروحية والواقع الاجتماعي، ينشأ فراغ تُهيمن فيه المفاهيم الضبابية على حساب وضوح المعنى والدلالة، ويحل الطقس محل الفكرة، والتكرار محل الاجتهاد. وعندها تتآكل المشيخة وتفقد وظيفتها باعتبارها فضاء مؤسسيا وإطارا لإنتاج القيم، وتصبح مجرد أداة لإعادة تدوير الماضي دون مساءلته، واستدعاء التاريخ لا بوصفه مرجعية نقدية، بل كتعويض رمزي عن العجز عن الفعل في الحاضر.
ومن ثمّ، لا يمكن فهم هذا الإشكال باعتباره مجرد حرص على الوفاء للتاريخ أو حفاظا على الذاكرة، بل ينبغي فهمه بوصفه تعارضا بنيويا بين التمسك الشكلي بالموروث والوفاء لمقاصده العميقة. فالزاوية التي تكتفي بتوارث الأسماء وتغفل شروط المعنى، إنما تُفرغ تاريخها من قوته الرمزية، وتُحوّله إلى سردية جامدة لا تُنتج أثرا. في حين أن الوفاء الحقيقي يكمن في الجرأة على مساءلة الحاضر: ما معنى “مشيخة الطريقة” اليوم؟… وما شروطها العلمية والأخلاقية؟… وهل ما تزال قادرة على الاضطلاع بوظيفتها التربوية والاجتماعية والرمزية داخل مجتمع يشهد تحولات عميقة وواقع اجتماعي يتجاوز بنياتها التقليدية؟
بناء على ذلك، يتضح أن السؤال الجوهري لا يتعلق بوجود من يُسمّى شيخا، بل بوجود مشيخة بوصفها مؤسسة معرفية وروحية واجتماعية متكاملة، وأن الزاوية الوزانية ليست في حاجة إلى ترميم لغوي للمصطلحات، بقدر ما هي في حاجة إلى مراجعة عميقة لمفهوم المشيخة وإعادة ضبطه على قاعدة الأهلية والكفاءة والقدرة على وصل الموروث بأسئلة العصر.
يتعين كذلك اختبار معنى “مشيخة الطريقة” اختبارا فعليا لا في فضاءات الخطاب الرمزي المجرد، بل في لحظات الشدة الاجتماعية والامتحان الجماعي، حيث تُقاس الشرعيات بالفعل لا بالاستدعاء اللفظي للتاريخ.
في سياق ما عرفته بلادنا مؤخرا من أزمات إنسانية عميقة جرّاء التساقطات الاستثنائية والفيضانات التي اجتاحت مناطق واسعة، يبرز سؤال مُلحّ: ما موقع “مشيخة الطريقة” لدى الزاوية الوزانية من هذه النوازل؟… وهل استطاعت ترجمة رأسمالها الرمزي إلى فعل اجتماعي مؤسسي؟… إن غياب أي أثر واضح أو مبادرة مؤطرة من طرف المشيخة في لحظات يفترض فيها أن تكون في صدارة التعبئة الأخلاقية والاجتماعية، لا يمكن اعتباره معطى عرضيا، بل مؤشرا دالا كاشفا على اختلال عميق وتآكل دورها كوسيط رمزي بين المرجعية الروحية والواقع الاجتماعي المعيش. فالمشيخة التي تعجز عن الحضور في زمن الأزمات، وتلوذ بالصمت حين يتصدع المجال الاجتماعي، إنما تكشف حدود فاعليتها كفاعل أخلاقي وجماعي، وتتحول من مؤسسة منتجة للمعنى الاجتماعي إلى بنية رمزية معطّلة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على محدودية قدرتها على الفعل في الزمن الراهن.
خلاصة القول، فالمشيخة متى انفصلت عن الفعل والمعنى، غدت اسما بلا أثر، ومفهوما ماضويا بلا وظيفة، وتاريخا بلا امتداد.
التعليقات