مشهد باب دكالة يعيد طرح سؤال حرية التدين وحساسية الرموز في الفضاء العام

22 أبريل 2026

سعيد الزياني ـ دين بريس
أعاد الفيديو المتداول من محيط باب دكالة بمراكش، والذي يظهر أشخاصا من اليهود يؤدون طقوسا دينية قرب السور، فتح نقاش واسع تجاوز حدود الواقعة ذاتها إلى أسئلة أعمق تتصل بطبيعة المجال العام، وحدود الحرية الدينية، وحساسية الرموز في سياق إقليمي مشحون بالتوتر والتأويلات.

وانحصر هذا الجدل، في معظمه، داخل منصات التواصل الاجتماعي وبعض المنابر المحلية، أكثر مما استند إلى توضيحات رسمية أو معطيات تاريخية موثقة تحسم طبيعة المكان ودلالاته، وهو ما فسح المجال أمام قراءات متباينة وسريعة، اختلط فيها السياسي بالرمزي، والديني بالتاريخي.

وانقسمت المواقف الأولى إزاء المشهد بين اتجاه تحذيري رأى فيه ما يتجاوز مجرد ممارسة دينية عابرة، واتجاه آخر اعتبر أن تضخيم الواقعة يدخل في باب الإسقاط السياسي المفرط، ويعكس ميلا إلى تحميل مشهد محدود دلالات تفوق حجمه الفعلي.

واستند أصحاب القراءة التحذيرية إلى الذاكرة المثقلة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فربط بعضهم بين ما جرى قرب سور باب دكالة وبين مخاوف من التدرج الرمزي داخل المجال العام، معتبرين أن بعض الوقائع الصغيرة قد تتحول، إذا لم تقرأ بوعي وحذر، إلى مقدمات لفرض معان جديدة على المكان والوجدان.

وفي هذا الباب، عبر الشيخ السلفي “حسن الكتاني”، عبر صفحته على “فيسبوك”، عن رفضه للطريقة التي ظهر بها المشهد، معتبرا أن الخروج بلباس أجنبي وأداء طقوس عند حائط في الفضاء العام يثير القلق ويستدعي الانتباه، كما استحضر في تدوينته واقعة قال إنه شاهد ما يشبهها قبل سنوات في حي الأحباس بالدار البيضاء.

وتنطلق هذه القراءة من منطق التحذير من التحولات الرمزية البطيئة داخل الفضاء العام، إلا أن هذا التأويل، في حدود ما هو متاح علنا، ظل أقرب إلى التعبير عن مخاوف سياسية وشعبية منه إلى الاستناد إلى معطيات رسمية أو تاريخية حاسمة تتعلق بالموقع نفسه أو بطبيعة ما جرى فيه.

وفي المقابل، برز رأي آخر دافع عن حق اليهود المغاربة في ممارسة شعائرهم الدينية، وعبر عنه “محمد ابن الأزرق الأنجري” على ضفحته بـ”فيسبوك”، الذي انتقد ما اعتبره ازدواجية في الموقف، تقوم على قبول الظهور العلني لمظاهر التدين الإسلامي في الفضاء العام، ثم استنكار الممارسة الدينية اليهودية حين تقع هي الأخرى في العلن.

ويستند هذا الرأي إلى مرجعية دستورية واضحة، إذ ينص الفصل الثالث من دستور 2011 على أن الإسلام دين الدولة، مع ضمان الدولة لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية، كما تحيل ديباجة الدستور إلى الرافد العبري باعتباره أحد مكونات الهوية المغربية، وهو ما يمنح هذا النقاش بعدا قانونيا وهوياتيا لا يمكن تجاهله.

ومن زاوية ثالثة، أضاف “إسماعيل واحي”، في مقال رأي نشره اليوم بـ”أحداث انفو”، مقاربة مختلفة داخل هذا الجدل، إذ لم يكتف بالدفاع عن حرية الممارسة الدينية، بل اعتبر أن جزء مهما من التفاعل مع الفيديو بني على تأويلات مضخمة وعلى حالة من التأجيج المتعمد التي غذتها منصات رقمية وحسابات سعت إلى دفع النقاش نحو منطق الفتنة والاستقطاب.

ورأى “واحي” أن ربط المشهد مباشرة بحائط المبكى أو بمخطط يهدف إلى فرض أمر واقع إسرائيلي داخل المغرب لا يستند، في تقديره، إلى قراءة متزنة للواقعة، بل يندرج ضمن إسقاطات سياسية تتجاهل خصوصية التجربة المغربية في تدبير التعدد الديني، وتتعامل مع المشهد المحلي بأدوات الصراع المشرقي الجاهزة.

وشدد صاحب هذا الرأي على أن اليهود المغاربة ليسوا جسما غريبا عن البلاد، بل مكون أصيل من مكوناتها التاريخية والثقافية، وأن ما وقع يمكن قراءته، من هذه الزاوية، باعتباره امتدادا لذاكرة دينية وثقافية مغربية، أكثر من اعتباره تعبيرا عن أجندة خارجية أو مشروعا رمزيا دخيلا.

كما استند “واحي” إلى تفسير تاريخي للمكان، معتبرا أن اختيار باب دكالة لا يخلو من دلالة مرتبطة بمسارات قديمة لوجود اليهود في مراكش قبل بناء الملاح في العهد السعدي.

وفي نظرنا، تبدو الحاجة قائمة إلى التمييز بين ما يدخل في باب التفسير التاريخي المحتمل، وبين ما يرقى إلى مرتبة الحقيقة الموثقة المدعومة بوثائق أو دراسات منشورة، حتى لا يتحول النقاش من مساءلة مشروعة لواقعة مثيرة للجدل إلى بناء استنتاجات نهائية على أساس معطيات غير مكتملة.

ويكشف التأمل في هذه المواقف المتباينة أن جوهر الخلاف لا يرتبط فقط بالواقعة، بل أيضا بطريقة قراءتها وتأويلها: فهناك من ينظر إليها بمنظار السيادة والذاكرة الفلسطينية والخشية من التطبيع الرمزي، وهناك من يقرأها بمنظار الدستور والتعددية المغربية والحقوق الدينية، وهناك من يحاول وضعها داخل سياق تاريخي محلي يرى أن المغرب لا يمكن حصره في مقاييس الصراع الإقليمي وحدها.

وبين هذه المقاربات الثلاث، تتضح المسافة الكبيرة التي ما تزال تفصل بين الانفعال الرقمي والتحقيق الرصين القادر على تثبيت الوقائع قبل بناء المواقف عليها، وهي مسافة تجعل من أي نقاش مسؤول حول هذه القضية رهينا بالدقة والهدوء والابتعاد عن الأحكام المتسرعة.

وفي نظرنا، يفرض هذا الجدل حاجة مزدوجة لا يمكن التفريط في أي من طرفيها: حاجة إلى اليقظة حتى لا يتحول التسامح إلى سذاجة، وحاجة إلى الدقة حتى لا يتحول الخوف المشروع إلى تعميم يلتهم الحقائق، فلا يكفي رفع شعار الحرية الدينية لإغلاق باب التساؤل المجتمعي، كما لا يكفي استدعاء الذاكرة السياسية لتحويل كل مشهد يهودي في الفضاء العام إلى مشروع اختراق أو تهديد.

ويبقى المدخل الأكثر اتزانا هو التحقق من الوقائع، وطلب التوضيح من الجهات المعنية، وإبقاء النقاش داخل حدود المعطى الموثق، حتى لا تتحول حادثة محدودة إلى وقود إضافي للاستقطاب والانفعال.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

أي مغرب نحتاج بعد الحرب؟

عمر العمري تفرض الحرب المدمرة التي دارت خلال الأسابيع الماضية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران و”حزب الله” من جهة أخرى، على المغرب، وهو يراقب من أقصى الغرب العربي هذا التحول العنيف في موازين الصراع، وقفة تأمل عميقة لاستخلاص العبر، ومراجعة الواقع الوطني، وتشخيص مجالات النقص والضعف، وصياغة عناصر القوة التي ينبغي بناؤها في […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...