مساجد الغرب في رمضان: بين الواقع والمأمول- فرنسا أنموذجا
يشكّل شهر رمضان محطة إيمانية وتربوية متميزة للمسلمين عامة، ولمغاربة فرنسا خاصة، حيث تتضاعف مسؤولية الأئمة والمساجد والجمعيات في ترسيخ المعرفة الدينية والسلوك القويم، والعناية بالأسرة و الأطفال والشباب والرجال والنساء معا، عبر برامج هادفة تستجيب لرفع تحديات الواقع. كما يمثّل الشهر الفضيل فرصة لتعزيز جسور التواصل مع غير المسلمين من خلال موائد الإفطار الجماعي، والأيام المفتوحة، والحوار البنّاء، والتواصل الأخوي والحضاري المبني على المواطنة، بما يرسّخ صورة إيجابية للمسلمين ويعزز حضورهم الإيجابيّ والبناء في الفضاء العام. غير أن ما يُنتظر من مساجد الغرب — كما هو الحال عندنا في فرنسا — لا تقتصر على أداء الشعائر التعبدية فحسب، بل تمتد لتشمل أدواراً إرشادية وتربوية وحضارية متكاملة، تسهم في بناء الإنسان، وصيانة الهوية الدينية، وترسيخ الانتماء الوطني، وتعزيز القيم الإنسانية المشتركة. ومن هنا يبرز تساؤل جوهري : لماذا يظل نشاط المساجد ضعيفًا خارج شهر رمضان، بينما يشهد زخمًا ملحوظًا خلاله؟ أيرتبط ذلك بالطابع الموسمي للعمل الديني، أم برتابة الأداء وغياب التجديد في الوسائل والرؤى، رغم توفر الأطر والدعم اللازمين؟ وتزداد أهمية هذا السؤال عند النظر إلى واقع بعض مساجد المدن الكبرى مثل المسجد الكبير بإيڤري بضواحي باريس، واستراسبورغ وسانت إتيان وغيرها، حيث يُلاحظ ضعف الأداء وهزالة النتيجة نظرا لغياب ثقافة النتيجة والنجاعة في العمل. و لا غرابة في ذلك إذا نظرنا إلى غياب الكفاءات الشخصية و العلمية و الدينية المؤهلة للنهوض بهذا القطاع الحساس جدا في المشهد الفرنسي. وقد جاء أن فاقد الشيء لا يعطيه.إنه تشخيص قاسي ، ولكن الحق أحق أن يقال، والحق أحق أن يُتَّبَع. الأمر الذي يدفع إلى البحث عن الأسباب العميقة لهذا الخلل. ولعل الجواب يبدأ من أصل قرآني راسخ يؤكد أن نجاح أي مهمة رهين بحسن إسنادها إلى أهل القوة والأمانة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]. وقد تجسد هذا المعنى في قصة نبي الله يوسف عليه السلام حين قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]، فجمع بين الأمانة والكفاءة وحسن التدبير، ابتغاءً للمصلحة العامة لا طلبًا للوجاهة والحظوة أو النفوذ. فالإمام أو الفقيه العضوي هو القادر على فهم أحوال المسلمين والمجتمع الذي يعيشون فيه. إن ضعف التأطير الديني والتربوي الذي تعانيه بعض الأسر لا يرجع إلى نقص الدعم أو غياب الأطر، بل إلى سوء استثمار الكفاءات، أو بسبب إسناد المسؤوليات إلى بعض من يفتقرون إلى التكوين الثقافي و الشرعي، إسناد يدعي استقاء شرعيته من صناديق الاقتراع متناسين بذلك الشروط الموضوعية اللازمة للاضطلاع بهذه المسؤولية الجسيمة قبل أي تصويت. وهذا ما ينعكس سلبًا على الأداء، ويؤثر خصوصًا في جهود حماية الشباب وتأطيرهم بما يعزز حب الدين والوطن واللغة. وفي مقابل هذه التحديات، نحيي الجهود المتواصلة التي تبذلها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ومؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، من خلال إيفاد الأئمة والمرشدين والمرشدات إلى فرنسا وغيرها خلال شهر رمضان، في إطار قانوني يحترم أنظمة البلد المضيف، ويستجيب لحاجات المساجد والجمعيات. و قد قامت بجهود مباركة في مواكبة مسلمي فرنسا وقد تعزز هذا المسار منذ عقود، دعمًا للتأطير المنتظم وترسيخًا للاستمرارية، خاصة عندما بعثت سنة 2008 أئمة لتأطير مغاربة ومسلمي فرنسا عموما. غير أن هذه المبادرة على أهميتها، لم تستثمر من طرف الفاعلين الدينيين في فرنسا بالقدر الكافي لتحقيق أهدافها كاملة؛ إذ كان بالإمكان تقوية أداء هذه الكفاءات و مؤازرتها ودعمها في تكوين شامل ومتكامل لأئمة وخطباء فرنسا. فالتكوين المنشود لا يقتصر على نقل المعارف فقط، بل يشمل ترسيخ الحرص على السمت الحسن، وتنمية المهارات، وتعزيز الكفايات التواصلية والتربويّة واللغوية، هذا إلى جانب دراسة العلوم الشرعية في تناغم تام مع العلوم الإنسانية والقانونية، بما ينسجم مع خصوصية السياق الفرنسي ومتطلباته. إننا نحتاج إلى رؤية واضحة وتنسيق فعّال يحقق الأثر المنشود. ومن هذا المنطلق، يحق أن نتساءل كقيمين وفاعلين دينيين: هل كنا عند مستوى الثقة التي وُضعت فينا؟ هل أحسنا استثمار الكفاءات؟ هل قدّمنا المصلحة العامة على الاعتبارات الشخصية أو الفئوية؟
لا شك في أن حظوظ النفس وعدم ربط المسؤولية بالنتيجة، هما شيئان لا يخدمان رسالة المسجد، بل يضعفها؛ إذ إن بيوت الله وجدت لحماية الأجيال الصاعدة المسلمة بغض النظر عن أصولها وجنسياتها، من التطرف والعنف، و من الإفراط والتفريط.
وإن وُجد نقص أو خلل، فلا يصح تحميله للمؤسسات التي وفّرت الدعم والأطر، بل تتحمله الجهات المحلية المكلفة بالتسيير والتنسيق والتمثيل والإشراف. إن العمل الديني أمانة عظيمة، لا مجال فيه للوجاهة أو طلب النفوذ، وإنما هو رسالة تتطلب إخلاصًا وتجردًا، وفي هذا السياق، تبرز جملة من الأولويات الملحة:
• ترسيخ ثقافة التكوين المستمر للأئمة والمؤطرين ورد الاعتبار لمهامهم.
• احترام التخصص، بحيث لا يتداخل الإداري والديني إلا في إطار من التشاور والتكامل.
• تفعيل القوانين الداخلية للمساجد بروح الشفافية والعدالة والأخوة الصادقة. ما أحوجنا إلى مراجعة مستمرة لضبط البوصلة، حتى تظل مساجدنا في هذه الديار منارات هداية، وجسور محبة، ومجالات وحدة لا ساحات خلاف. ويظل الأمل معقودًا — بإذن الله — على ما حملته خطب أمير المؤمنين من دعوة رائدة وحقة إلى تجديد العمل المؤسسي بما يخدم قضايا الجالية، ويعزز حضور المساجد كمراكز إشعاع ديني وثقافي متكامل، يترك أثرًا حسنا في الفرد والمجتمع، ويفتح صفحة عنوانها التعايش والوئام والعمل والسلام.
قال الله تعالى: “إن اريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ” سورة هود الآية 88.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الموقعون أسفله :
ذ. محمد المهدي اقرابش (عضو بآكاديمية نيم، إمام خطيب ومرشد ديني بالمستشفيات، عضو بمنتدى الاسلام بفرنسا، أمين عام المجلس الوطني للإرشاد الإسلامي بفرنسا، )
ذ. صلاح الدين المراكشي ( دكتوراه في فلسفة التربية الإسلامية إمام وخطيب ومرشد ديني بالمستشفيات والسجون بفرنسا )
ذ. إبراهيم أمزضاو ( إمام وخطيب وباحث بسلك الدكتوراه مرشد ديني للحجاج والمعتمرين بفرنسا )
ذ. حسن الفاضلي ( دكتوراه في الفقه الإسلامي إمام وخطيب بفرنسا )
ذ. محمد الموساوي ( ماستر في العلوم الشرعية ، إمام وخطيب بفرنسا )
ذ. محمد آيت زنو (إمام وخطيب بفرنسا)
ذ. عبد اللطيف بن عمر (إمام وخطيب بفرنسا خريج معهد محمد السادس لتكوين الائمة والمرشدين والمرشدات)
التعليقات