مراحل الإسناد من زمن النبوة إلى عصر البخاري ومسلم

12 أبريل 2026

د. صلاح الدين المراكشي

يعدُ علمُ الإسناد من أعظم أسباب حفظ السنة، وبه تميّز الصحيح من الضعيف، وهو من تمام حفظ الله للدين، قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر: 9]. ومن هنا جاء اهتمام العلماء بضبط الحديث النبوي؛ إذ يتكوّن من السند والمتن، وقد أدرك السلف خطورة الكذب فيه،فاعتنوا بالإسناد تدقيقًا وتمحيصًا، حتى قال ابن سيرين ( ت 110 هـ ) : «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء»، فكان أساسًا في حفظ السنة. لقد مرّ علم الإسناد بعدة أطوار تاريخية؛ فقد بدأت بواكيره في عهد الصحابة رضي الله عنهم، حيث كانت الثقة بينهم قائمة، ولم يكن يُسأل عن الإسناد غالبًا إلا من باب التثبت والاحتياط في نقل الأخبار.

وكان أبو بكر الصديق (ت 13هـ) وعمر بن الخطاب (ت 23هـ) رضي الله عنهما يتحرّيان في قبول الروايات، لا تشكيكًا في الرواة، وإنما مزيدًا من العناية بصيانة السنة وضبطها. ومع مرور الزمن، وكثرة الوسائط في الأسانيد، واتساع الرحلة في طلب الحديث بين الأمصار، طال الإسناد وبرزت الحاجة إلى معرفة أحوال الرواة. وقد ازداد ذلك أهمية بعد ظهور أهل الأهواء والبدع، خاصة بعد الفتنة الكبرى في أواخر خلافة عثمان رضي الله عنه (ت 35هـ)، حيث ظهرت الفرق وانتشرت الاتجاهات المختلفة، وبدأ بعضهم بوضع الأحاديث والدسّ في الروايات لأهداف فكرية أو سياسية.

عندها أصبح النظر في الرواة وتمييز أحوالهم أمرًا ضروريًا، وكان يتم ذلك في البداية بصورة شفوية، قال ابن سيرين (ت 110هـ): «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم». وفي عصر التابعين من القرن الأول الهجري تحديداً تأسس علم الإسناد ونقد الرجال، فبرز أئمة مثل: سعيد بن المسيب (ت 93هـ)، وعروة بن الزبير (ت 94هـ)، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (ت 94هـ)، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ( ت 98 هـ ) وخارجة بن زيد ( ت 99 هـ ) وسليمان بن يسار (ت بعد 100هـ)، والشعبي ( ت 103 هـ ) وسالم بن عبد الله بن عمرو ( ت 106 هـ ) وابن سيرين ( ت 110 هـ ) واشتهروا بالدقة في الرواية. ثم أخذ عنهم أتباعهم مثل : الشعبي ( ت103 ) والزهري (ت 124هـ) وغيرهما، فانتقل العلم إلى التدوين والتتبع المنهجي للأسانيد وظهرت معالم علم الرجال مع منتصف القرن الثاني الهجري حيث كان قبل ذلك مشافهة ثم بدأ التدوين فيه متأخرا عن تدوين الآحاديث. وأقدم ما ألف -فيما أعلم- من هذه الحقبة ” التأريخ ” لليث بن سعد ( ت 175 هـ ) و ” التأريخ ” لابن المبارك ( ت 181 هـ ) ثم تتابع التأليف وتطور إلى عصور متأخرة. وفي القرن الثاني الهجري برز نقاد كبار مثل: الأعمش ( ت 148 هـ ) وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت 156هـ)، وشعبة بن الحجاج (ت160هـ)، وسفيان الثوري (ت 161هـ)، ومالك بن أنس (ت 179هـ)، فازداد علم الحديث نضجًا ودقة.

ثم جاءت طبقة أكثر تخصصًا في النقد والتقعيد، مثل: عبد الله بن المبارك (ت 181هـ) على ما ذكرنا ممن انبرى للتأليف في بدايات هذا الفن، ووكيع بن الجراح (ت 197هـ)، ويحيى بن سعيد القطان (ت 198هـ)، وعبد الرحمن بن مهدي (ت 198هـ)، والشافعي (ت 204هـ)، فترسخت في هذه المرحلة قواعد النقد واتسعت معايير التمييز بين الرواة. ثم جاء أئمة القرن الثالث الهجري، وهم ذروة هذا العلم، مثل: يحيى بن معين (ت 233هـ)، وعلي بن المديني (ت 234هـ)، وأبي بكر بن أبي شيبة (ت 235هـ)، وإسحاق بن إبراهيم (ت 238هـ)، وأحمد بن حنبل (ت 241هـ)، فبلغ علم الجرح والتعديل أعلى درجات الدقة في نقد الرواة وتمييز أحوالهم. ثم جاء الإمامان محمد بن إسماعيل البخاري ( ت 256 هـ ) ومسلم بن الحجاج القشيري( 261 هـ ) فجعلا الإسناد أساس قبول الحديث، فلا يُحكم بصحته إلا بعد التثبت من اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم وسلامة المتن من الشذوذ والعلة.

وتميّز البخاري بزيادة الاحتياط في اشتراط ثبوت اللقاء والسماع، بينما اكتفى مسلم غالبًا بإمكان المعاصرة مع القرائن الدالة على الاتصال، مع اتفاقهما في انتقاء الأوثق وعدم إخراج الضعفاء إلا عند وجود شواهد أو متابعات…ويظهر من هذا كله بأن علم الإسناد والنظر في أحوال الرجال والرواة هو امتداد متصل منذ عصر النبوة إلى ما بعدها عبر طبقات من الأئمة، حيث تتابع التدوين والنقد حتى استقر منهجه، وبرزت مصنفات كـ“الموطأ” للإمام مالك ثم الصحيحين للبخاري ومسلم وغيرهما. وهكذا حفظ الله تعالى السنة بهذا النظام الدقيق من الإسناد والجرح والتعديل، فصانها من التحريف وبقيت محفوظة، وكان الإسناد حصنها المنيع. ويؤكد هذا المعنى الحديث المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين»، وقد صححه عدد من أهل العلم، منهم ابن عبد البر رحمه الله.

كما يُروى عن الإمام محمد بن إسماعيل البخاري أنه رأى رؤيا يذبّ فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم، ففسرت له بأنه يذبّ الكذب عنه، فكان ذلك من دوافعه لتأليف “الجامع الصحيح” والعناية بتمييز الأحاديث الصحيحة.

والحمد رب العالمين.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

هل انتصرت إيران؟

عمر العمري لا جدوى من الإغراق في الجدل حول من انتصر في الحرب التي دارت بين إيران وخصومها، لأن العبرة الحقيقية بعد انقضاء الحروب لا تكون بكثرة الادعاءات، وإنما بمن يخرج منها حاصدا للمكاسب والمغانم.. الأكيد أن إيران خرجت من هذه الهدنة (لاتزال هشة)، في محصلتها النهائية، متقدمة في الميزان الاستراتيجي، لأن خصومها لم ينجحوا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...