محور المقاومة والأمن العربي: جدلية “الشعار الأخلاقي” وواقع “الاستيطان الداخلي”.

30 مارس 2026

علي البلوي

تُشكّل ظاهرة “محور المقاومة” في المشهد العربي الراهن واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، حيث تبرز فجوة عميقة بين الخطاب الأيديولوجي المعلن والممارسات الميدانية الاستراتيجية التي أعادت صياغة واقع المنطقة.

وتتمثل الإشكالية الجوهرية في هذا المشروع في ذلك الانفصام الحاد بين الشعارات المثالية والواقع المعاش، إذ تحول من كونه قوة “تحرر” وطني تهدف لمواجهة الاحتلال، إلى أداة للهيمنة الإقليمية التي تفتت سيادة الدول الوطنية.

فبينما تُرفع شعارات نصرة المستضعفين، نجد أن العقيدة العسكرية الميدانية قد انحرفت لتصبح وسيلة لفرض الوصاية السياسية وتخليق كيانات مسلحة موازية للجيوش النظامية، مما جعل قرار الحرب والسلم مرتهناً لإرادات عابرة للحدود، وأدى بالضرورة إلى تقويض مؤسسات الدولة وتحويلها إلى مجرد غطاء شرعي لمشاريع فصائلية ضيقة.

ولم يتوقف هذا الانحراف عند حدود السياسة، بل امتد لضرب النسيج الاجتماعي عبر توظيف المذهبية والأقليات كدروع بشرية وأدوات ضغط، وهو ما أنتج عمليات تغيير ديمغرافي ممنهجة في مناطق استراتيجية لتأمين خطوط الإمداد، مما تسبب في تهجير الملايين وتمزيق الهوية الوطنية الجامعة لصالح هويات فرعية متصادمة.

وفي ظل هذه الفوضى، برزت ممارسات القمع المفرط ضد التحركات الشعبية المطالبة بالكرامة، حيث استُخدمت سيكولوجية “المظلومية التاريخية” كذريعة أخلاقية لتبرير الظلم الراهن، وشرعنة عمليات القتل والاغتيال السياسي ضد كل صوت وطني يرفض التبعية أو ينادي باستقلال القرار السيادي، مما حوّل “المقاومة” من فعل تحرري إلى أداة قمع داخلي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، كرس هذا المحور نمطاً من “اقتصاديات النهب” من خلال وضع اليد على مقدرات الشعوب وثرواتها الوطنية وتحويلها لخدمة الآلة العسكرية المليشياوية، مما أدى إلى انهيار العملات المحلية وإفقار المجتمعات وتفشي الأسواق السوداء والتهريب.

إن هذا التآكل القيمي والبنيوي يمثل التحدي الأبرز للأمن العربي، حيث أدى اختراق عدة عواصم عربية إلى نشوء خلل استراتيجي استُبدل فيه مفهوم “الدفاع المشترك” بمنطق “الارتباط العقدي” الخارجي، وهو ما حوّل الجيوش الوطنية في بعض الدول إلى تشكيلات مكبّلة، بينما تصدرت الفصائل المسلحة المشهد، مما أفقد المنظومة العربية قدرتها على صياغة موقف موحد تجاه التهديدات المشتركة، وجعل الأمن العربي عرضة للمساومات الدولية والابتزاز الإقليمي.

إن مستقبل الدولة الوطنية في ظل هذه التحديات يقف أمام مسار حتمي لاستعادة المبادرة عبر تعزيز “المناعة الوطنية” واسترداد احتكار العنف تحت مظلة الجيوش النظامية، وبناء تحصين فكري مجتمعي ضد الولاءات العابرة للحدود.

إن الأمن العربي لا يمكن تأمينه عبر وكلاء، بل عبر دولة وطنية قوية تمتلك قرارها السيادي وتصون كرامة مواطنها فوق أي اعتبار أيديولوجي، فالمشروع في صورته الراهنة قد التهم غاياته النبيلة بوسائله العنيفة، وتحول من مشروع لمواجهة “الاستكبار الخارجي” إلى “استكبار محلي” يمارس الاستيطان الداخلي ويستنزف الأوطان، مما يضع الشعوب أمام تحدٍ وجودي لاستعادة مفهوم الدولة من براثن المشاريع التي لا ترى في الإنسان سوى وقود لمعاركها الجيوسياسية الممتدة.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ما الذي ينتظر الدبلوماسية المغربية بعد الحرب؟

عمر العمري تؤشر الحرب الجارية، منذ 28 من فبراير، إلى أن النظام الإقليمي والدولي مقبل على مرحلة مختلفة نوعيا، لأن عالم ما بعد هذه المواجهة لن يكون امتدادا بسيطا لما قبلها.. لقد كشفت الحرب عن تصدعات عميقة في تصورات القوة والردع، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول معنى الهيبة العسكرية، وحدود الحماية الخارجية، وموقع الطاقة والممرات […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...