‎محمد يسف.. عالم السيرة النبوية ورمز الحضور الهادئ في المؤسسة الدينية المغربية

15 أبريل 2026

‎أحمد المهداوي
‎يُعدّ الدكتور محمد يسف، الأمين العام السابق للمجلس العلمي الأعلى، والذي وشحه أمير المؤمنين جلالة الملك، محمد السادس، اليوم (الثلاثاء)، بوسام العرش من درجة ضابط كبير، تقديرا للخدمات الجليلة التي قدمها لدينه ولوطنه ولملكه، (يُعدّ) واحداً من الأسماء العلمية البارزة التي راكمت حضوراً وازناً في المشهد الديني والأكاديمي المغربي، حتى استحق عن جدارة لقب “عميد السيرة النبوية بالمغرب”؛ فالرجل لا يُختزل في المناصب التي شغلها بقدر ما يُستحضَر بوصفه نموذجاً للعالم الذي جمع بين البحث الرصين، والتدريس الجامعي، والتدبير المؤسساتي للحقل الديني.

‎ومنذ تعيينه كاتباً عاماً للمجلس العلمي الأعلى، في سياق ورش إعادة هيكلة الحقل الديني الذي أطلقته المملكة بتعليمات من أمير المؤمنين جلالة الملك، محمد السادس، برز اسم محمد يسف كأحد العقول المرجعية التي أسهمت في ترسيخ معالم التدين الوسطي، وإعادة الاعتبار للعلم الشرعي المؤسسي القائم على التأصيل والانفتاح في آن واحد.

‎ولد الدكتور محمد يسف سنة 1934 بضواحي تازة، وشق مساره العلمي بين آزرو وفاس والرباط، حيث جمع بين التكوين الشرعي العميق بجامعة القرويين ودار الحديث الحسنية، والدراسة القانونية بجامعة محمد الخامس مما شكّل لاحقاً من هذا التعدد في المرجعيات المعرفية أحد مفاتيح تميزه سواء في التدريس أو في الاشتغال على قضايا الدين والمجتمع والدولة.

‎حضور محمد يسف في الساحة الأكاديمية لم يكن عابراً، فقد راكم الرجل تجربة طويلة في التعليم الثانوي والجامعي، ودرّس السنة والسيرة النبوية والحضارة الإسلامية في مؤسسات مرموقة، داخل المغرب وخارجه، كما ساهم في تكوين أطر الإدارة العمومية ووزارة الداخلية، وهو ما جعله حلقة وصل نادرة بين المعرفة الشرعية ومتطلبات الدولة الحديثة.

‎أما على مستوى المسؤولية فقد شغل مناصب استراتيجية من رئاسة جائزة الحسن الثاني للمخطوطات إلى الإدارة المركزية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ثم عمادة كلية الشريعة بفاس، قبل أن يُعيَّن أميناً عاماً للمجلس العلمي الأعلى، وفي كل هذه المواقع حافظ على صورة العالم الهادئ، غير المتعجل، الذي يشتغل بمنطق البناء التراكمي لا بمنطق الواجهة.

‎ويوازي هذا الحضور المؤسساتي إنتاج علمي لافت، خاصة في مجال السيرة النبوية، حيث قدّم مؤلفات تُعد اليوم مراجع في بابها، من بينها: كتاب “المصنفات المغربية في السيرة النبوية” في جزأيه، والمصادر عن مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 1992،  والذي في الأصل كان أطروحته لنيل دكتوراه الدولة، والتي تميزت بكونها من أوائل الدراسات التي أبرزت المساهمة المغربية في السيرة النبوية، و“الرواية المغربية للسيرة النبوية” و“طفولة المصطفى وصباه”، إلى جانب دراسات في الحديث والحقوق والمرأة في الإسلام، وهي أعمال تعكس اهتمامه بإبراز الخصوصية المغربية في التلقي الديني، وربط السيرة بالسياق الحضاري والفكري.

‎ولعل شهادة محمد فاروق النبهان، المدير السابق لدار الحديث الحسنية، تختزل كثيراً من ملامح هذه الشخصية العلمية، حين وصفه بالعالم الصادق المخلص، وامتداداً لجيل العلماء المغاربة الذين جمعوا بين العلم والكرامة والاستقلالية.

‎ويبقى أن حضور الدكتور محمد يسف لا يُقرأ على مستوى الساحة العلمية من زاوية المناصب أو المؤلفات وحسب، وإنما من موقعه كفاعل في إعادة تشكيل المرجعية الدينية بالمغرب، وكمثال للعالم الذي ظل وفياً لوظيفته الأساسية من إنتاج المعرفة، وتأطير الأجيال، وخدمة الدين خارج منطق الصخب والأدلجة.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

أي مغرب نحتاج بعد الحرب؟

عمر العمري تفرض الحرب المدمرة التي دارت خلال الأسابيع الماضية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران و”حزب الله” من جهة أخرى، على المغرب، وهو يراقب من أقصى الغرب العربي هذا التحول العنيف في موازين الصراع، وقفة تأمل عميقة لاستخلاص العبر، ومراجعة الواقع الوطني، وتشخيص مجالات النقص والضعف، وصياغة عناصر القوة التي ينبغي بناؤها في […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...