محمد الحداد. باحث تونسي
مبدئيًا، من حقّ كلّ فرد أن يعتنق الدين أو المذهب الذي يقتنع به، فهذا من صميم حرية الضمير. لكن ثمّة معطيات ثابتة لا علاقة لها بهذه الحريّة، ينبغي التنبّه إليها.
أولاً، من يدافع عن مبدأ حرية الضمير لاعتناق التشيّع، عليه أن يدافع عن هذا المبدأ في كل الحالات، ومع جميع الأديان والمذاهب، لأن من خصائص المبدأ أن يكون عامًا. أما إذا خُصِّصَ، فإنه يتحوّل إلى مغالطة ومكر وتبرير ظرفي.
ثانيًا، لا علاقة للتشيّع الحالي في تونس بتشيّع الدولة الفاطمية التي نشأت في تونس، والفرق بينهما جوهري. فالتشيّع الفاطمي ينتمي إلى الفرقة الإسماعيلية، أما التشيّع الحالي فينتمي إلى الفرقة الإمامية. وفي الحقبة التي نشأت فيها الدولة الفاطمية، كانت العداوة على أشدها بين الفرقتين، حتى إنّ الإمامية تحالفت مع السنّة في بغداد ضدّ الإسماعيليين، أي ضدّ الفاطميين في تونس ثم في مصر، وضدّ القرامطة في المشرق. وأصدروا آنذاك الفتوى الشهيرة التي تطعن في نسب الإمام الإسماعيلي.
ثالثا، اضطهد الشيعة في تونس بعد انتقال الفاطميين إلى مصر، وقد ردّ الفاطميون على ذلك بإرسال قبائل بني هلال لتدمير تونس، فكانت كارثة عمرانية وسكانية وثقافية. لذلك، لا يحقّ لأحد اليوم أن يتحدث عن “مظلومية” أو عن “إعادة اعتبار”.
رابعا، ليس من الصدفة أن تُطرح مسألة التشيّع في هذا التوقيت بالذات. فهي تطفو على السطح كلّما حقّقت إيران أو أذرعها ما يبدو للبعض “نجاحات”. وهنا ينبغي التفريق بين البُعد السياسي (أي “المقاومة”) والبُعد الديني (أي التشيّع). فحماس، على سبيل المثال، حركة سنّية مقاومة. فلماذا لا يتحوّل الإيرانيون إلى المذهب السنّي لأن حماس نجحت؟ وإذا كان المعيار هو النجاح في المقاومة، فهل كان يجب أن نتحوّل إلى البوذية حين ألحقت فيتنام أكبر هزيمة بأمريكا في الستينات؟
خامسا، أما بخصوص التشيّع الحالي في تونس، فقد بدأ فعليًا مع الثورة الإيرانية، وكان في بداياته تعاطفا مع الشعارات التي رفعتها تلك الثورة ضدّ أمريكا وإسرائيل. وكان يشتدّ كلّما نفّذت إيران أو حلفاؤها (في لبنان مثلًا) عمليات مقاومة بارزة. وقد ظهرت النواة الأولى من الشيعة الفاعلين في تونس داخل “الاتجاه الإسلامي” الذي أصبح لاحقًا حركة النهضة، وهناك عدد شهير من مجلة المعرفة.يرد في غلافه أن قادة الحركة الإسلامية ثلاثة: البنا والمودودي والخيميني. وقد تزعم الغنوشي، مع حسن الترابي في السودان، تيارًا يدعو إلى الوحدة بين الأصوليتين السنية والشيعية. لكن، عندما تراجع الغنوشي لاحقًا عن تأييد إيران، ردّت وسائل إعلام إيرانية بنشر وثائق سرّية تتعلّق بتمويلات وشبكات تنظيم دولي للإخوان المسلمين، كانت مرتبطة به، مما أدّى إلى قطيعة تامة بين جماعة الغنوشي والتيار الشيعي.
سادسا، من حق الشيعة – ككل جماعة دينية – أن يكون لهم وجود في تونس، كجماعة دينية جديدة، مثل البهائية مثلًا. وعليهم، حينئذ، أن يوضّحوا موقفهم من مسألة شديدة الأهمية تتعلّق ببنية التشيّع الإمامي. فالشيعي الإمامي مُلزَم باتّباع “مرجع تقليد” حيّ، والمراجع الشيعية في العالم اليوم قلائل، وهم منقسمون إلى قسمين: قسم يؤمن بـ”الولاية الخاصة”، أي أنّ المرجع لا يحقّ له التدخّل في الشأن السياسي العام، لأن “الولاية العامة” – في نظرهم – لا تصحّ إلا للإمام الثاني عشر الغائب، الذي يعتقد الشيعة الإمامية أنه سيعود يومًا ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا. وقسم ثانٍ يؤمن بـ”الولاية العامة” للمرشد الأعلى في إيران، علي خامنئي، الذي يجمع بين المرجعية الدينية والقيادة السياسية. ومرجعيته تتنافى مع مبدأ سيادة الدولة إذا كان بعض مواطنيها يدينون بالولاء لزعيم دولة أجنبية. لذلك، على الشيعة في تونس أن يوضّحوا لنا من هو مرجعهم، وما هو موقفهم من هذه المسألة الخطيرة.
رابك صفحة الكاتب على فيسبوك: https://web.facebook.com/professeur.haddad