محاولة في فهم استدعاء المغاربة اليوم لمقولة المفكر عبدالله العروي

21 يناير 2026

عبد اللطيف الحاجي

قبل أن نتناول فكرة أن المغرب جزيرة مطوقة، لابد أن نشير إلى أن الدول التي تتصرف اليوم في العالم بالكثير من الحدية، وبنوع كبير من الاستقلالية، حتى عن السرديات التي أنتجها العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، لديها فلاسفة يوجهون دفة تفكير قادتها ومواطنيها (ألكسندر دوجين في روسيا نموذجا)، وليس لنا في المغرب منذ عقود أصلح من المفكر عبدالله العروي ليكون ذلك الفيلسوف.

في آخر لقاء حضرته مع شباب من دول عربية مختلفة، طرح أحد المؤطرين سؤال عن أهم مفكر عربي في العقود الأخيرة، وكان ضمن هؤلاء الشباب، شباب أردنيون واسعوا الثقافة والاطلاع، جمعنا نقاش فكري على مدى أيام التكوين، فيه من الرقي الكثير، وفي تفاعلهم مع السؤال، كان جوابهم “محمد عابد الجابري”، لحظتها وقفت حائرا، فالجابري له قيمته وهو قامة فوق وطنية، مشروعه الأساسي يقوم على فكرة “الكتلة التاريخية”، وربما هذا ما أهله لأن يكون له حضور فكري بالمعمور العربي، ولكنه منحسر في السياق الوطني. وحتى الذين انتقدوه مشرقيا، لم يكن لهم ذلك الامتداد داخل الأوساط الثقافية/الجامعية بالمشرق، والذين كانوا تحت تأثير القومية العربية سياسيا. (أقصد جورج طرابيشي وأدونيس وآخرين)

أعتقد أنه بالإضافة إلى ما أسلفت، يحظى الجابري بحضور ضمن السياق الثقافي العربي أكثر منه المغربي، لأنه أعاد إلى الواجهة نظرية ابن خلدون التي لا زال لها حضور في هذه الدول العربية “بما هي قبائل وعصبيات”، ولكنها منحسرة في المغرب الذي انخرط في منطق الدولة الحديثة منذ الاستقلال (وفكريا حتى ما قبل الاستقلال)؛ صحيح، لا زالت هناك الكثير من التحديات والمعيقات، ولكنه متقدم على كثير من محيطنا الذي يجد له في نظريات ابن خلدون وعاء نظريا لتفسير الكثير من ظواهره.

لنعد إلى فكرة العروي حول أن المغرب جزيرة مطوقة، وأريد هنا أن أشير إلى أن فكرة العروي، على حد فهمي، ليست فيها أية دعوة إلى الانغلاق، وعدم التفاعل مع المحيط، وهو يؤكد على أن الجزيرة هنا ليس بمعناها الجغرافي، ولكنه يشير إلى أننا يجب أن نتعامل مع كوننا جزيرة، بالنسبة لكل المنتج المحيط بنا عبر التاريخ، فالجزائر القريبة منا، وتونس الأقرب، وليبيا، يشكل ذاكرتها التاريخية موروث تركي كبير (على سبيل المثال)، والمغرب كان دائما بمنآى عن أي موروث تاريخي غير نابع من فضائه الجغرافي، وكان يتفاعل مع كل موروث غير مغربي بالتثاقف والتفاعل وليس الانصهار والتبني.

قمت بتمرين بحثي قبل سنوات، عدت فيه إلى مجلات عربية منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكان تركيزي أكبر على مجلة “الهلال”، ولكم أن تتخيلوا كيف كانت نظرة النخبة العربية آنذاك لمنطقتنا، وربما لم تبدأ في التبدد إلى بعد زيارة شكيب أرسلان للمغرب في الثلاثينات، وما أعقبها من تأثر وتأثير في إطار الحركات الوطنية، وحضور علال الفاسي بالمغرب، والمكي الناصري بين مصر والمغرب.

هذه الإشارات التي أسلفت، لا تهدف إلى توجيه نظرنا إلى المغرب بكونه قوة ضاربة أو استثناء متميزا، ولكن فقط إلى فهم أن منطق تفكير المغربي مختلف تماما عن منطق تفكير باقي المحيط، بالنظر وفقط/ أو الاستناد إلى تاريخ الذهنيات وما يشكل ذاكرة كل منطقة مما ينسحب معه على مواطنيها؛ وبالتالي فالمغرب “ذهنيا” جزيرة مطوقة، وهذا لا يعطيه امتيازا ولا ينقص منه، فقط يميزه ويجعلنا مطالبين بإعادة التفكير في منطق تعاملنا مع الآخر، كل آخر ليس من هذه الرقعة الجغرافية.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

الرياضة بمنطق السيادة..

عمر العمري تظهر التفاعلات التي تلت الحدث الرياضي الأخير بالمغرب انزياحا مقلقا في طريقة تمثل المجال الرياضي داخل بعض البيئات الإقليمية، إذ جرى تفريغ المنافسة من بعدها القيمي والتربوي، وتحويلها إلى ساحة إسقاط لصراعات سياسية وهوياتية، يعاد إنتاجها عبر تعبئة الجماهير واستثمار الانفعالات الجماعية، في مسار يفرغ الرياضة من معناها الأصلي ويقحمها في رهانات لا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...