ما قبل الموازنة بين إسرائيل وإيران
عبدالله القيسي
من أكثر ما آلمني في السنوات الماضية ذلك الخطاب الذي كنت أسمعه وأقرؤه لدى بعض الكتّاب والشخصيات حين يتناولون مآسي المنطقة. كانت الإبادة في سوريا، والدماء المسفوكة في العراق واليمن، تمرّ في كلامهم كجملة اعتراضية عابرة، تبدأ بمقولة باردة: “بغضّ النظر”، أو يسحبون النقاش إلى الحديث عن جدلٍ طائفي سنّي–شيعي، فيتحوّل النقاش من جريمة إبادة إلى خصومةٍ مذهبية، وهم يعلمون أنهم يزيّفون الحقيقة حين يدفعون الحديث إلى هذا المسار المذهبي.
وأحيانًا تُذكر تلك الآلام بإدانةٍ فاترة باردة، لا تكاد ترتقي إلى حجم الخراب والدمار والآلام والجراح التي خلّفتها. فيجعلون تلك المآسي مجرد جملة اعتراضية سريعة قبل أن ينتقلوا إلى الحديث عن تحيّزاتٍ جائرة لا تقوم على قاعدةٍ أخلاقيةٍ واحدة.
يا أخي، قبل أن تبدأ اليوم في عقد الموازنات بين عدوين وجوديين، أريد أن أفهم منك أولًا موقفك من تلك الدماء. أمّا القفز فوقها بخفّة، ثم الانطلاق في تنظيراتٍ بهلوانية، فهذا أمرٌ لا يمكن قبوله. إن لم يكن شعورك تجاه ما جرى في سوريا — من دمارٍ وتهجيرٍ وتعذيبٍ وقتلٍ وآلامٍ لا توصف — هو نفسه تمامًا تماماً شعورك تجاه غزة، دون نقصانٍ أو تردد، فإن موازنتك كلّها تصبح موضع شك. لأن حجم المأساة في الحالتين كبير، وأي استخفافٍ بإحداهما ليس إلا دليلًا على خللٍ أخلاقيٍّ عميق، يكشف أن الموقف تحكمه المصلحة أو الهوى أكثر مما تحكمه القيم والضمير.
ولذلك نقولها بوضوح: أولئك الذين يرون دماءنا ماءً، كم يبدو خطابهم قبيحًا، مهما حاولوا أن يتزيّنوا بالتزلف لدماء فلسطين. فالميزان أخلاقي واحد لا يتجزأ.
هذا هو الأمر الذي نريد تأكيده وسنظل نكرره: إن جرائم كبرى وقعت في هذه المنطقة، ودماء غزيرة سُفكت في سوريا والعراق واليمن، ولا يجوز أن تُمحى أو تُختزل بجملةٍ اعتراضية في خطابٍ سياسي أو تحليلي.
كنت أودّ أن يكون حديثنا اليوم خالصًا عن الموازنة بين عدوين، وعن أيّهما أشد خطرًا على مستقبل المنطقة. لكن حجم الزيف، والكذب، والاستخفاف بدماء الآخرين، اضطرّنا إلى أن نعود مرةً أخرى لتذكير الناس بحقيقة ما جرى، وبفداحة الجرائم التي يراد اليوم طمسها أو تجاوزها بخفة.
تعال أولًا وأقرّ بالحقيقة كاملة: هناك ملايين الضحايا في أربع دول عربية وخاصة بسوريا، وهناك جرائم هائلة لا تزال آثارها ماثلة، وتهديد وجودي لم ينتهِ بعد. اعترف بذلك بوضوحٍ لا لبس فيه، ثم بعد ذلك وازن كما شئت، ورجّح ما تراه أقرب إلى الصواب. أمّا أن تستهين بدماء أخرى بعباراتٍ إنشائية أو تحليلاتٍ متذاكية، فهذا ما لا يمكن قبوله.
ضع كلّ الوقائع على الطاولة، كاملة غير منقوصة، حتى لا تكون أعور في رؤيتك. اعرف ما جرى بكل تفاصيله، واعرف ما تجاهلته أو تعاميت عنه سنواتٍ طويلة. تعرّف إلى حجم الألم الذي يحمله أولئك، وإلى ما لا تريد أن تراه. ثم بعد ذلك تعال لنتحاور ونناقش.
أما الحديث عن إجرام الطرف الآخر وعداوته ومشروعه في المنطقة، فأنا أعرفه جيدًا، وربما أكثر مما تعرفه أنت. أعرف ما ستقوله، وأشعر بما تشعر به، لكن الفرق بيننا أنك لا تبذل الجهد نفسه لتفهم ألم إخوانك في سوريا واليمن والعراق، ولا لتصغي إلى أنينهم وجراحهم.
لقد تابعتُ على مدى سنوات طويلة مواقف كثير من الكتّاب والشخصيات، وأعرف جيدًا أصحاب المواقف الباهتة الذين يأتون اليوم ليعظونا ويقدّموا لنا موازناتهم السياسية. باختصار لا أستطيع تصديقهم، لأنهم تعمّدوا طوال سنوات أن لا يسمعوا أنين السوريين واليمنيين والعراقيين.
أما أولئك الذين شعروا بتلك المآسي حقًا، وتحدثوا عنها بصدق، وعبّروا عن موقفٍ قوي منها، ثم جاءوا اليوم ليطرحوا موازنةً أو تحليلًا مختلفًا، فهؤلاء يمكن أن يُسمع لهم، ويمكن قبول موازناتهم كيفما كانت، لأنهم لم يبدّلوا ميزانهم الأخلاقي، ولم يتخلّوا عن إنسانيتهم في لحظة الاختبار.
التعليقات