ما بعد الحسم: هندسة الاستقرار الإقليمي من منظور السيادة المغربية

12 فبراير 2026

محمد الغيث ماء العينين

لم يكن خطاب جلالة الملك محمد السادس في 31 أكتوبر 2025 مجرد خطاب سياسي عابر في سياق دبلوماسي متحرك، بل كان إعلاناً هادئاً وحاسماً عن انتقال الدولة المغربية من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة هندسة ما بعد الإغلاق.

إن القيمة الفلسفية لهذا التحول لا تكمن في تثبيت شرعية أصبحت راسخة واقعاً ومؤسسات، بل في الانتقال من سؤال الحسم إلى سؤال الاستقرار. فبعد خمسين سنة من استنزاف الموارد وشحن الذاكرة الجماعية، لم يعد السؤال الجوهري هو: كيف نغلق الملف؟ بل أصبح السؤال الإستراتيجي الأهم: كيف نمنع بقاء النزاع حياً في الوعي السياسي حتى بعد إغلاقه قانونياً وميدانياً؟

الرؤية الملكية لا تكتفي بإدارة لحظة الانتصار الدبلوماسي، بل تدعو إلى طي الصفحة دون تمزيقها، وإلى التحرر من منطق رد الفعل دون إنكار ما رافق النزاع من توترات وتكلفة. وهذا ليس موقفاً عاطفياً، بل قراءة باردة لمتطلبات المستقبل الإقليمي.

السيادة المرنة: الثوابت في مواجهة التفعيل

إن جوهر العرض المغربي للحكم الذاتي يتجاوز كونه “حلاً تقنياً”، ليصبح تعبيراً عن تصور ناضج للسيادة في زمن التعقيد.

فالسيادة تظل في معناها الصلب ثابتة لا تتجزأ:

وحدة القرار الإستراتيجي، احتكار الاختصاصات السيادية، المرجعية الدستورية الجامعة، وضمان وحدة التراب.

غير أن ممارسة هذه السيادة داخل دولة حديثة متعددة المستويات تقتضي مرونة في التفعيل لا تمس الثوابت.

الحكم الذاتي، في الحالة المغربية، ليس تفويضاً عن السيادة، بل تفويض مضبوط داخلها.

فهي صلبة في مرجعيتها ووحدتها وثوابتها،

ومرنة في ممارستها وتنظيمها للصلاحيات وتدبيرها للمجال.

 

بهذا المعنى، لا يُطرح الحكم الذاتي كتراجع، بل كصيغة متقدمة لإدارة التنوع داخل السيادة، لا خارجها.

 

وإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال لم يعد يتعلق بجدوى الحكم الذاتي، بل بشروط استدامته.

تسارع الإيقاع: من تثبيت الإطار إلى ضبط التفاصيل

تكشف المعطيات المرتبطة بلقاء مدريد (فبراير 2026) عن انتقال نوعي في وتيرة إدارة الملف. إن تقديم المغرب لمذكرة تفصيلية تمتد إلى نحو أربعين صفحة لا يعني مجرد إعادة عرض للموقف المبدئي، بل يعكس انتقالاً واعياً من تثبيت الإطار العام إلى ضبط التفاصيل التنفيذية منذ البداية.

أربعون صفحة تعني أن النقاش لم يعد يدور حول مبدأ الحكم الذاتي، بل حول كيفية تنزيله وضبط ضماناته وتحديد توازناته بدقة.

ومع حضور جزائري مباشر في هذا الطور من التفاوض، وبرعاية أمريكية واضحة، يتقلص هامش المناورة ويتقدم منطق الصياغة الدقيقة على منطق الشعارات العامة.

في مثل هذه اللحظة، يصبح السؤال المركزي: كيف نضمن أن يتحول الحسم السياسي إلى استقرار دائم؟

شروط الاستدامة

أولاً: الشرط الداخلي — عدالة تمثيلية بلا احتكار

في سياق تفعيل الحكم الذاتي، يبرز محدد قانوني وسيادي بالغ الحساسية يتعلق بالكتلة البشرية المعنية بالتسوية.

فمن جهة، ليست كل ساكنة مخيمات تندوف معنية قانونياً بالحكم الذاتي. المرجعية في ذلك واضحة وصارمة: الإحصاء الإسباني لسنة 1974 وقوائم تحديد الهوية الأممية. وبحسب هذه المعايير، فإن الفئة المعنية داخل المخيمات لا تمثل سوى نسبة محدودة تُقدَّر تقريباً بين 15 و20 في المئة.

هذا التحديد لا يتعلق بالأصول البشرية، بل بالمرجعية القانونية التي بُني عليها المسار الأممي منذ بدايته.

ومن جهة أخرى، فإن ساكنة الأقاليم الجنوبية المغربية مشمولة بوضوح وبشكل كامل في قرارات مجلس الأمن دون تصنيف أو استثناء، وهي المعنية واقعاً وقانوناً بمبادرة الحكم الذاتي.

هذا التمييز يمنع إعادة إنتاج منطق “التمثيل الحصري” تحت صيغ جديدة. فالتمثيل يُبنى على المواطنة المتساوية داخل السيادة، لا على الوكالة السياسية خارجها.

وإذا اقتضت المرحلة مقاربة انتقالية لضمان اندماج الصحراويين العائدين من المخيمات، فإن هذه الحماية تظل انتقالية لا تأسيسية، حتى لا تتحول إلى امتياز دائم يخل بتوازن المواطنة داخل الجسد الوطني الواحد.

ثانياً: الشرط الخارجي — توازن لا غالب ولا مغلوب

الحلول التي تُبنى على منطق غالب ومغلوب قد تفرض هدوءاً مؤقتاً، لكنها لا تؤسس سلاماً دائماً. لأن الطرف الذي يشعر – بحق أو بغير حق – بأنه خسر، قد يقبل بالمرحلة كهدنة مؤجلة، لا كتسوية مستقرة.

ومن هنا تتضح أهمية مقاربة لا إذلال فيها، ولا تصفية حسابات، ولا صناعة منتصر معتز مقابل مهزوم ناقم.

في الحالة الجزائرية، المسألة لا تتعلق بموقف تفاوضي فحسب، بل بسردية داخلية تشكلت على مدى عقود. والمغرب، بامتناعه عن الانخراط في خطاب تصعيدي رغم وضوح موقعه، لا يتخلى عن ثوابته، بل يختار هندسة توازن يسمح بانتقال إقليمي هادئ.

الاستقرار الإقليمي لا يتحقق بإعلان الغلبة، بل ببناء توازن مستقر يمنع إعادة إنتاج النزاع في صيغة جديدة.

خاتمة: الانتقال المزدوج كرهان سيادي

في نهاية المطاف، لا تُقاس قوة الحلول السياسية بلحظة إعلانها، بل بقدرتها على إنتاج توازن مستقر في الزمن.

الحكم الذاتي في الصحراء المغربية ليس مجرد تسوية نزاع، بل امتحان لقدرة الدولة على إدارة انتقال مزدوج:

• داخلياً: من منطق الصراع إلى منطق البناء والعدالة والاندماج.

• إقليمياً: من منطق المواجهة إلى منطق الشراكة والاستقرار.

إن نجاح المغرب في ترسيخ سيادته صلبةً في مرجعيتها ووحدتها وثوابتها، ومرنةً في ممارستها وتنظيمها للصلاحيات وتدبيرها للمجال وترسيخها للعدالة الداخلية، هو الذي سيحوّل الحسم السياسي إلى استقرار دائم، وينقل المنطقة من زمن النزاع إلى زمن البناء.

وهذا هو الرهان الحقيقي لما بعد الحسم.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...