ما الذي ينتظر الدبلوماسية المغربية بعد الحرب؟
عمر العمري
تؤشر الحرب الجارية، منذ 28 من فبراير، إلى أن النظام الإقليمي والدولي مقبل على مرحلة مختلفة نوعيا، لأن عالم ما بعد هذه المواجهة لن يكون امتدادا بسيطا لما قبلها..
لقد كشفت الحرب عن تصدعات عميقة في تصورات القوة والردع، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول معنى الهيبة العسكرية، وحدود الحماية الخارجية، وموقع الطاقة والممرات الاستراتيجية في هندسة الأمن الدولي.
وحتى إذا توقفت العمليات عند حدود الخسائر الراهنة، فإن الآثار السياسية والاستراتيجية ستظل ممتدة، لأن ما انكسر في هذه الحرب ليس فقط توازنات ميدانية، وإنما أيضا صور ذهنية راسخة حول من يملك القدرة على الردع، ومن يضمن الأمن، ومن يحدد قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط.
لقد أظهرت هذه الحرب، من جهة، أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على إدارة الصراعات الكبرى في المنطقة بالكلفة السياسية والعسكرية نفسها التي كانت ممكنة في مراحل سابقة، بعدما تعرض وجودها العسكري ومصالحها الحيوية لاختبارات قاسية، وبرزت حدود فعاليتها الردعية في بيئة إقليمية أكثر تعقيدا وتفلتا.
وكشفت، من جهة ثانية، أن إسرائيل، رغم ما تملكه من تفوق تقني وعسكري، لم تعد تحتفظ بصورة الدولة المحصنة التي لا تخترق، إذ أبانت الضربات الباليستية الإيرانية وما رافقها من ارتباك دفاعي عن مستوى جديد من الهشاشة، وأضعفت صورة الردع المطلق التي استندت إليها لعقود.
وفي الوقت نفسه، دفعت الحرب دول الخليج إلى مواجهة أسئلة وجودية شديدة الحساسية، بعدما بدا واضحا أن الاعتماد المفرط على الحماية الخارجية لا يضمن بالضرورة الأمن في لحظات التحول الحاد، وأن دفع كلفة التحالفات لا يعفي من التعرض للضغط والابتزاز والإحراج الاستراتيجي..
تفرض هذه التحولات، في مجملها، مراجعة واسعة لمفاهيم الحرب والأمن والتحالفات، لأن ما بعد هذه المواجهة سيشهد، على الأرجح، إعادة تعريف للعلاقة بين القوة العسكرية، والأمن الطاقي، وحماية البنى التحتية، وأمن الممرات البحرية، ومكانة الصناعة الدفاعية الوطنية.
إضافة ألى أن المرحلة المقبلة ستشهد أيضا إعادة تموضع للتحالفات الإقليمية والدولية، وانفتاحا على صيغ جديدة من الشراكات، تتجاوز الأنماط القديمة التي كانت تقوم على اليقين في الحماية الأمريكية، أو على ثبات المعسكرات السياسية.
ولهذا، فإن الشرق الأوسط، ومعه أوروبا والعالم، يتجه إلى لحظة إعادة تركيب، يصبح فيها عنصر القوة، بمختلف تجلياته الصلبة والناعمة، أكثر حضورا في صناعة القرار وفي ترتيب الأولويات الاستراتيجية.
ومن هذا المنطلق، تبدو الدبلوماسية المغربية مطالبة، في تقديري، بإعادة النظر في تموقعها على ضوء ميزان قوى آخذ في التشكل، وبصياغة مقاربة أكثر استباقا لبيئة دولية تتسارع فيها التحولات وتضيق فيها هوامش التأخر أو المناورة.
ولن يكون كافيا الحفاظ على التوازنات التقليدية نفسها، لأن المرحلة المقبلة ستتطلب وضوحا أكبر في ترتيب المصالح، ومرونة أعلى في نسج العلاقات، وقدرة أدق على التمييز بين الثابت والمتغير، فهناك مياه كثيرة ستجري تحت جسور العلاقات الدولية، وما كان يبدو قبل الحرب خيارا مستقرا قد يصبح بعدها موضع مراجعة أو إعادة تقدير.
ويطرح هذا التحول، بصورة خاصة، أسئلة دقيقة حول مستقبل العلاقة مع إسرائيل، في ضوء ما لحق صورتها من تآكل أخلاقي وسياسي وعسكري، وما راكمته من سجل ثقيل في مجال الانتهاكات الإنسانية، ومن الطبيعي أن يفرض هذا الواقع على المغرب تفكيرا هادئا ومسؤولا في جدوى الصيغ القائمة (التطبيع مثلا)، وفي ما إذا كانت بعض الترتيبات التي بدت في لحظة ما ذات وظيفة دبلوماسية ما تزال تحتفظ بالمبررات نفسها في بيئة ما بعد الحرب.
كما يطرح سؤالا لا يقل أهمية عما سبق يتعلق بضرورة تسريع التموضع المغربي داخل التحالفات الجديدة التي قد تخرج بها دول الخليج من تجربة الخذلان والارتباك، خاصة إذا اتجهت هذه الدول إلى توسيع هوامشها الاستراتيجية والانفتاح على شركاء آخرين خارج المظلات التقليدية.
يقتضي هذا التحول أيضا من الرباط ألا تظل أسيرة للتقلبات التي قد تطبع الموقف الأمريكي، سواء في ما يتصل بالتوازنات الإقليمية أو بما يرتبط بقضيتنا الترابية، فالعلاقات مع واشنطن ستبقى ذات أهمية، غير أن الارتهان لها لم يعد منسجما مع ملامح العالم الذي يتشكل اليوم، وهو عالم تتقدم فيه البراغماتية، وتتراجع فيه اليقينيات القديمة، ويغدو فيه عنصر القوة، بأبعاده السياسية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، جزء أساسيا من صيانة المصالح وترسيخ المواقع.
وهذا لا يعني القفز إلى خيارات متسرعة، وإنما يستدعي توسيع دوائر التفكير، وتفادي رهن المستقبل بقناة واحدة، أو سند واحد، أو تصور وحيد في إدارة التحديات، مع الحفاظ في الآن نفسه على الجاهزية الكاملة لمختلف الخيارات التي تفرضها صيانة وحدتنا الترابية وترسيخ مقوماتها، بما فيها الخيار العسكري..
تدل بعض التجارب القريبة على أهمية الدبلوماسية الاستباقية في مثل هذه اللحظات، إذ أظهرت إسبانيا، على سبيل المثال، قدرة على صياغة موقف مغاير داخل الفضاء الغربي، انطلاقا من قراءة خاصة لمصالحها وللمتغيرات الدولية، ومن استعداد لتحمل كلفة التمايز حين تفرضه القناعة السياسية.
والمغرب، من جانبه، يملك ما يكفي من الرصيد التاريخي والجغرافي والسياسي (ديبلومسية عريقة) لكي يبلور لنفسه هو أيضا دبلوماسية أكثر استقلالا ووعيا بالمرحلة، دبلوماسية لا تنفصل عن محيطه العربي والإفريقي والأطلسي، ولا تتردد في إعادة تقييم بعض اختياراتها حين تتغير شروط العالم.
ويستدعي هذا المنطق، في تقديري، إعادة النظر في العلاقة مع إيران من زاوية المصالح المغربية الهادئة والبعيدة المدى، بعيجا عن ردود الفعل أو الاستقطابات الظرفية، لأن العالم الآسيوي الصاعد يفرض نفسه اليوم بقوة في معادلات القوة والتأثير، ولأن الانفتاح المتزن على مراكزه وقواه الجديدة أضحى ضرورة استراتيجية، أكثر من كونه خيارا تكميليا.
وهكذا، فإن مراجعة بعض “القطائع الديبلوماسية” السابقة (ايران)، وفتح قنوات تواصل أكثر عقلانية، قد يصبح جزء من هندسة دبلوماسية أوسع، تراعي التحولات الدولية وتستفيد من الفرص التي تتيحها إعادة تشكل موازين القوة.
إن المرحلة المقبلة لن تمنح أفضلية للدول التي تكتفي بالمراقبة، وإنما ستفتح المجال أمام الدول التي تحسن القراءة المبكرة، وتنتج المعرفة، وتصل بين التحليل والتخطيط وصناعة القرار..
ومن المفروض أن يكون صانع القرار الدبلوماسي قد التقط ما يكفي من الإشارات لإعادة بلورة نظريات أو اقتراحات جديدة في العلاقات الدولية، كما أنه من المفروض أن يكون هذا الصانع قد فعل، بشكل جيد، مراكز التفكير والبحث لتعميق الدراسات الاستشرافية واستخلاص التوصيات المطلوبة لرسم خريطة دبلوماسية واضحة المعالم..
التعليقات