لهذه الأسباب عجزت المادية الجدلية عن تفسير نشأة الإسلام.. لكنها بقيت أداة تحليل المجتمعات

31 ديسمبر 2025

لبنى كيسي

قال لي معترضا: “نظرية ماركس الإلحادية لا تعترف بالدين، ولا يمكن أبدا إسقاطها عليه. هذه الفلسفة الديالكتيكية لا تنفع في فهم الإسلام لا من داخله ولا من خارجه”.

وهذا الإعتراض، في جوهره، لا يطرح سؤالا بين ماركس والإسلام بقدر ما يطرح سؤالا منهجيا: هل تُقرأ النظريات بوصفها عقائد تُقبل أو تُرفض جملة واحدة، أم بوصفها أدوات تحليل نضعها في موضعها ونستبعدها حين تتجاوز مجال صلاحيتها؟ فالإشكال ليس في كون كارل ماركس ملحدا أو مؤمنا، بل في تحويل منهجه إلى قانون كوني يُفترض به تفسير كل التاريخ.

أولا: ماذا يقول ماركس بدقة؟
ماركس يبني تفسيره للتاريخ على ما يسميه البنية التحتية: أي الطريقة التي يُنتَج بها العيش المادي داخل المجتمع، بين من يملك وسائل الإنتاج (كالأرض والآلة ورأس المال)، وبين من يعمل فيها بجهده. هذه العلاقة تخلق تناقضا موضوعيا بين طرفين، لأن مصالح من يملك ومن يعمل ليست واحدة. ومع تراكم هذا التناقض ينشأ صراع اجتماعي، لا بدافع أخلاقي، بل بفعل بنية النظام نفسه. وهنا يعمل منطق الديالكتيك عند ماركس: تناقض يُولِّد صِراعا، والصراع يفضي نظريا إلى تجاوز تاريخي. فالوعي والأفكار عنده، بما فيها الدين، لا تُعَدُّ محركات مستقلة للتاريخ، بل تتشكل داخل هذا الصراع بوصفها جزءا من البنية الفوقية، وتؤدي وظائف اجتماعية ذاخل منظومة الهيمنة، فهي في تصوره تُخدِّر الوعي الطبقي وتؤجل الصراع ومن هنا جاءت قولته الشهيرة” الدين أفيون الشعوب”.

فقوة المنهج الدياليكتيكي تتجلى في قدرته على شرح كيف تتحول المصالح إلى أفكار، غير أن حدوده تظهر حين يتحول في تطبيقه، إلى حتمية تاريخية ذات طابع جبري مغلق، أو حين يُطالَب بتفسير لحظات لا تقع داخل منطقه، مثل لحظة الوحي بوصفها مصدرا للمعنى المتعالي لا انعكاسا اقتصاديا.

وهنا يتضح عجز الديالكتيك عن تفسير نشأة الإسلام. ففي المجتمع الجاهلي كانت التناقضات قائمة: استبداد قبلي، عبودية، تفاوت حاد، واقتصاد قائم على الغزو والهيمنة. ومع ذلك لم يُنتج هذا الواقع وعيا تحرريا يخرج منه كضرورة مادية. بينما الذي حدث كان قطيعة أخلاقية جاءت عبر الوحي. فالإسلام لم يكن تطورا جدليا من داخل البنية الجاهلية، بل نقضا لِقيَمها وإعادة تأسيس للإنسان على قاعدة الكرامة والمسؤولية والمساواة. هنا لم يُوَلِّد الصراع الفكرة، بل كانت الفكرة هي التي أطلقت الصراع.
والمسار في لحظة التأسيس الإسلامي لم يكن بالمنطق الذي يشتغل عليه الدياليكتيك: تناقضا ماديا ثم صراعا ثم وعيا، بل وحيا أخلاقيا ثم وعيا جديدا ثم صراعا اجتماعيا.
الصراع هنا لم ينشأ لأن الواقع احتقن ماديا، بل لأن الوحي كشف زيف الواقع، وفضح تراتبيته، وكسر منطقه الرمزي. فالقيمة هنا سبقت البنية والمعيار سبق المصلحة، والوعي لم يكن ثمرة صراع، بل كان سببا فيه.

صحيح أن الظلم الجاهلي هَيَّأ قابلية الناس للرسالة، لكنه لم يُنتجها ولم يخلق معناها. فالفرق الجوهري أن الديالكتيك يفسر التحولات من داخل المادة، بينما الوحي حدث مؤسِّس يُعيد توجيه التاريخ بدل أن يكون نتيجة له. وعلى خلاف هذا المنهج، نجد ابن خلدون مثلا لا يختزل التاريخ في عامل واحد، فهو يرى أن قيام الحضارات نتاج تفاعل مركب بين الإنسان، والزمن، والمكان، والعصبية، والقيم، والسلطة، والاقتصاد. وحين يتحدث عن الدين لا يضعه في خانة الانعكاس، بل يراه قوة توحيد وتوجيه للعصبية، تمنح الجماعة معيارا يتجاوز منطق الغلبة. وهو لا يجعل الوحي شرطا لكل حضارة، لكنه يُقرُّ بأنه كان عاملا حاسما في نشأة الحضارة الإسلامية تحديدا.
لهذا يمكن توظيف الديالكتيك، لا في فهم لحظة الوحي، بل فيما تلاها من صراع على السلطة، وتوزيع للثروة، وتَشكُّل للطبقات، وتوظيف للخطاب الديني. فالماركسية لا تفسر لحظة النشوء، لكنها قد تفيد في تشريح ما فعله البشر بالدين بعد اكتماله.

إن أي نظرية لا تُفهم إلا داخل سياقها التاريخي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي. فالديالكتيك الماركسي وُلد لتفسير مجتمعات صناعية أوروبية محددة، في ظل هيمنة الكنيسة والرأسمال، ولا يجوز تحويله إلى قانون كوني يُسقط على كل التاريخ. وفي المقابل، تكشف نشأة الإسلام أن الأفكار، حين تحمل شحنة أخلاقية تحررية، تكون قادرة على كسر الحتميات لا الدوران داخلها. إذن الفكر أداة للفهم لا عقيدة شاملة، وحين يوضع في موضعه الصحيح، يضيء التاريخ بدل أن يصادره.

ماركس قدم أداة تحليل لا مفتاح كلي للتاريخ، وابن خلدون قدم فَهما أوسع يقوم على تفاعل شروطه لا اختزالها. أما تحويل أي نظرية إلى قانون شامل يفسر كل شيء، فذاك ليس علما، بل عقيدة جديدة باسم العقل.

المصدر: صفحة الكاتبة على منصة فيسبوك.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

“الإسلام الإخواني”: النهاية الكبرى

يفتح القرار التنفيذي الذي أصدره أخيرا الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”، والقاضي ببدء مسار تصنيف فروع من جماعة “الإخوان المسلمين” كمنظمات إرهابية، نافذة واسعة على مرحلة تاريخية جديدة يتجاوز أثرها حدود الجغرافيا الأميركية نحو الخريطة الفكرية والسياسية للعالم الإسلامي بأكمله. وحين تصبح إحدى أقدم الحركات الإسلامية الحديثة موضع مراجعة قانونية وأمنية بهذا المستوى من الجدية، فإن […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...