لهذه الأسباب، في المغرب، الأمازيغ والعرب ذات واحدة

29 يناير 2026

محمد حصحاص

لم أكن أرغب في الكتابة في الموضوع، لأن موضوع الهوية صعبٌ القول فيهِ في كلمات وتدوينة خفيفة، لكنني أحببتُ أن لا تمر هذه المناسبة دون المشاركة بشيء ما، وأنا الذي كبرتُ بالبلدِ، وتعلمتُ في مدارسه وعلى يد فلاسفته ومفكريه القدامى والجدد، وأنا المتحدث بإحدى الأمازيغيات من شرق المملكة المغربية، والذي أصدر باللغة الإنجليزية ثلاثة كتب حول الفكر المغربي المعاصر، إحداها أضخم عملٍ في الموضوع وأَجَدَّهُ. لا يجب تركُ الفراغ لِسُراقِ الهويات والتاريخ. بمعنى آخر، هذه المرافعةُ علمية وليست من باب الوطنية الفجة والسطحية ولا من باب السجال الهوياتي الذي لا يفيد.

 

لولا اللغة العربية التي إعتنقها المغاربة الأمازيغ ورفاقهم في البناء من العرب المسلمين لبقي المغرب الأقصى هامشيا في التاريخ، وربما لبقي مستوطنة للإمبراطوريات الأوروبية. إن ما فعلته العربية وروح الإسلام في الأمازيغ والعرب بهذه البقعة من الأرض هو أنها أعطتهم هويةً خاصةً بهم، لأن فعل الإنصهار والتمازج بين العرب والأمازيغ كان قويا، ولم يكن ناجما عن مواجهة، والمثال الرمزي والواقعي لذلك هو قصة الإمام إدريس الأول وقبيلة أوربة. كل من يزور ضريحه بزرهون يكتشف أولا وليلي الرومانية، وكيف أنها تمثل، أي وليلي، مستوطنة للإستعمار وإستعمال الأراضي الخصبة لمكناسة الزيتون وما جاورها. لم يتمازج الرومان بالأمازيغ، إلا نادرا، وبقيت علاقاتهم علاقة سيد ومسود لقرون. كان على الإمام إدريس الذي كان يحمل رسالة، بينما لم يكن الرومان يحملون رسالةً، الإنصهار في ومع الأمازيغ، مما أثمر أولى بوادر الهوية المغربية المستقلة منذ إذاك. وما ساعد الإمام إدريس الأول، وإبنه إدريس الثاني من بعده، هو تقبُّل الأمازيغ له، ولولاهم لما نجحت العربية والإسلام في الدخول لروح المغاربة. أي أن الامازيغ الأوائِل فطنوا لأهمية الرسالة التي تحررهم وجوديا وتعطيهم مكانة كبشر أحرار في الأرض، وكبشر ذوي رسالة في الحياة، ولذلك تبنوها وأغنوها، وإعتبروا أنفسهم عربا مسلمين، عربا بالثقافة والمنظور للحياة، وليس بمنظور العرق كما يروج للعرقية بعض المتمزغين الجدد. إن العرقجيين الجدد يسرقون تاريخ المغرب كله، وتاريخ الأمازيغ خصوصا، ولو أنه صعب جدا لحد الإستحالة الحديث عن تاريخ أمازيغي خاص وتاريخ عربي خاص في المغرب الأقصى منذ نهاية القرن الثامن الميلادي، أي منذ قيام الدولة العربية الإسلامية مستقلة عن الأوروبيين وعن المشارقة. إن “الموريين الجدد” و “الأمازيغ العرقجيين الجدد” يسرقون تاريخ المغاربة أجمع، ويعيثون فيه فسادا، ويزرعون تفرقة بناها الأمازيغ والعرب معا على مدى ثلاثة عشر قرنا تقريبا وتزيد.

إن العربية والعروبة ليستا دخيلتين على المغرب الأقصى، أي المملكة المغربية، بل هما من صميم هويتها الجامعة منذ أن إختار الأمازيغ-العرب الدخول للتاريخ المكتوب منذ ثلاثة عشر قرنا زاخرا بالفلسفة وعلوم اللغة والعلوم الطبيعية والثقافة أجمع. لقد توهجت ذهنية وحرية الأمازيغي بتمازجه مع العربي، فبنوا مجتمعين ما نحن عليه من إمتددا تاريخي كبير تُدرِّسه الجامعات في العالم، وليس فقط في المغرب أو في العالم العربي. إن المغاربة يرفضونَ أن يُقزَّمَ تاريخهم الإنساني الكبير هذا بالتركيز على هوية عرقية إقصائية لا رسالة لها في الحياة، ولا لغة عالمية لها!

 

لقد دخل المغرب تاريخ الإنسانية اللغوي والفكري والسياسي عبر اللغة العربية، فهي هويته وذاته الأساسية، وهي مسطرة في الكتب في الجامعات المحترمة في كل العالم. وهذه الهوية المكتوبة بالعربية هي أمازيغية أيضا لأن من كتبها أمازيغ-عرب. أما الهوية الأمازيغية المحضة التي يصورها المتمزغون الجدد فهي إقصائية ولا رسالة ولا أرشيف عالمياً لها. لا يمكن لهوية إقصاىية أن تكون عالمية، لأن لا رسالة لها. والقصد بالأمازييغيين الجدد هم بعض الناشطين الأمازيغ، وبعضهم ينتحل أسماء العلم والبحث، وبحثهم فاسد ليس لأنهم لا يقرؤون، بل لأنهم يجزؤون التاريخ الذي كتب أجدادهم ويفصلون فيه بين العربي والأمازيغي، وهو فصل لم يكن موجودا. إن كل المفكرين والكتاب الكبار المغاربة لم يسقطوا في هذا التمييز الهوياتي الإقصاىي كما سقط فيه بعض الحركيين المتمزغيين والموريين الجدد. وعلى العقلاء من الحركة الثقافية الأمازيغية التنبيه لهذا الإفساد العلمي والتاريخي الذي سقطت فيه بعض وجوههم. إن الدفاع عن الهوية الأمازيغية للمغرب دور كل المغاربة، بكل أطيافهم، وليس دور طرف على طرف، لسبب بسيط، وهو أن المغاربة ممتزجين ومنصهرين لدرجة كبيرة جدا يصعب فيها الحسم في هويتهم بين الأمازيغية والعربية. إن المغاربة أمازيغ-عرب، وعرب-أمازيغ. وهذا ما قوى تاريخهم وفكرهم عبر العصور، وكل عملٍ على الفصل بين هذين المكونين الأساسيين هو ضرب في التلاحم الإجتماعي والسياسي للبلد – مع العلم أن الأمازيغ ليسوا على قلب رجل واحد ولا على قلب لسان واحد، فلهجاتهم متعددة، بالإضافة إلى أن عناصر أخرى غذت الهوية العرقية واللسانية المغربية عبر العصور، ويجب إحترام هذا التعدد المنصهر في هوية واحدة. ولا نعني أن الهوية الواحدة تعني فكرا واحدا، فالمطلع على فكر المغاربة وكتبهم يعرف تعدد مشاربهم الفكرية، والفلسفية، وحتى الدينية.

إجمالا، الهويات الإنسانية الكبرى التي أثرت في جغرافيات واسعة وفي الإنسانية أجمع تحتاج كلمات مفاتيح، وهي التالي: لغة عالمة عالمية، فكرة إنسانية جديدة ملهمة أو دين إنساني جديد ملهم، سياسة مركزية واضحة، وجغرافيا ممتدة. لقد توفرت هذه الشروط للعرب، مع الإسلام، وعن طريقهم وصل للمشرق والمغرب والشمال والجنوب شيئ كبير من العروبة والإسلام، مع إختلافات في اللغات المحلية والطقوس، الخ. أما المغرب الأقصى، كمثال هنا، فقد تبنى هذه كلها وصقلها على جغرافيته، وأصبح جزءً مهما منها، مما أصبح يسمى في الأدبيات العلمية ب”الحضارة العربية الإسلامية.” أي أن المغرب بإستقلاليته عن المشرق سياسيا، فهو لم يستقل عنه فكريا وروحيا. ولذلك لا يجوز علميا، كما يروج له بعض الإقصائيين، الحديث عن “حضارة مغربية” مستقلة. إن كل من يستعمل هذا المصطلح لا يعرف شيئا عن الحضارات وعن كيف تنشأ، وكيف تسمى حضارات. الأصح هو الحديث عن “ثقافة مغربية” ضمن الحضارة العربية الإسلامية الكلاسيكية. لم يكن للمغرب قبل الإسلام لغة علمية جامعةٌ له، ولم تكن له ثقافة حضارية أثرت في العالم من حوله بشكل عميق، ولم تكن له سياسة مركزية واحدة ممتدة ومؤثرة في العالم من حوله أو العالم ككل. والإكتشافات الأركيولوجية الحديثة لا يمكن البناء عليها للقفز إلى فكرة أن المغرب كان حضارة، ببساطة لأن الإكتشافات ترجع لآلاف السنين حول الإنسانية والإنسان العاقل، وليس حول الإنسان المغربي بحد ذاته، ولأنها أيضا لا تعكس لغة ومقومات حضارية كبرى حسب ما ذكرتُ أعلاه. ومع ذلك، فهي إكتشافات عظيمة سيتم تطعيمها مستقبلا بإكتشافات أخرى تزيد من غناء التاريخ المغربي الذي نعرف، والمكتوب. لا يجوز علميا وأخلاقيا ترك ثلاثة عشر قرنا من التاريخ المعروف والمكتوب، للقفز إلى حوالي ثلاثمة وخمسة عشر ألف سنة للحديث عن هوية مغربية ممتدة، وكأنها نفسها منذ إذاك، كما يروجُ لذلك البعض.

لما نشر العلاّمة المغربي الكبير المختار السوسي كتابه التاريخي حول تاريخ سوس وعلمائها ومدارسها في كتابة “المعسول” في عشرين جزءً في بداية ستينيات القرن الماضي كتب في التقديم يقول بشكل واضح أن الأمازيغ أحبوا العربية، والإسلام، وجعلوهما هويتهم الأساسية، بل أسهموا فيهما أيما إسهامٍ نظرا لحبهما لهما، لغةً ودينا. وذهب يقول أن الأمازيغ عرب ليس بالعرقِ بل بالثقافة، باللغة، وهو رأي “كل” المفكرين والكتاب المغاربة الذين يعرفون معنى الهوية الثقافية الجامعة التي تَسْمو عن الهوية العرقية الإقصائية.

يقول محمد المختار السوسي: “…حتى لنعدُّ أنفسنا من ابناء يعربَ وإن لم نكن إلا أبناء أمازيغ…فالعربية عندنا – معشر الإلغيين- هي لغتنا حقا التي نعتز بها.” المعسول، ج.١. 1961.

و كتب محمد شفيق، وهو أب الحركة الثقافية الأمازيغية بالمغرب، بيانا للدفاع عن الأمازيغة كهوية للبلد، وقد كان أستاذاً للملك الحالي الملك محمد السادس بالمدرسة المولوية في سبعينيات القرن الماضي، وكان مستشاراً للملك الحسن الثاني رحمه الله. ومما قاله في البيان المنشور سنة 2000 ما يلي: “نحن وإياهم -الأمازيغ والعرب- ذات واحدة.” وليس هناك أفضل من هذا لإجمال الكلام في الموضوع.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

حين تلعب الجزائر بالنار..

عمر العمري تتكرر الحوادث الدامية على الحدود المغربية ـ الجزائرية بوتيرة تفرض إخراجها من منطق الوقائع المعزولة وإدراجها ضمن سياق سياسي وأمني أوسع، يكشف عن خلل بنيوي في مقاربة تدبير الحدود، وعن انزلاق متدرج نحو منطق أمني متصلب. ويدل مقتل ثلاثة مواطنين مغاربة قرب “بشار” على مآلات هذا الخلل، ويعيد إلى الواجهة سلسلة من الوقائع […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...