لماذا كرههم للأستاذ محمود شاكر؟
حاتم سلامة
رغم أن الأستاذ محمود شاكر يعد من حراس الهوية الإسلامية، وأحد أبرز فرسانها المعدودين، وما خلفه من جهود عظيمة في خدمة العلم والتراث، إلا أننا نجد العداء كبيرا ومتوارثا بين الإخوان المسلمين والأسرة الشاكرية، فأحمد شاكر الأخ الأكبر للأستاذ محمود شاكر، كان على معرفة بحسن البنا ولكنه لم يكن يطيق مذهبه أو يعترف بطريقه، بل كما يحكي الدكتور فهر محمود شاكر: إن حسن البنا طلب لقاء الشيخ أحمد شاكر أكثر من مرة ولكن الشيخ رفض، ثم فوق المعرفة القوية فإن والد حسن البنا كان من أئمة الحديث، والشيخ أحمد شاكر أيضا من علماء الحديث، فهناك رابطة في تخصص العلم، ربما كانت أدعى للتواؤم بين الرجلين، لكن ربما كانت القضية تلقي بثقلها نحو نوع من التغاير بين الأنداد، فالدوي الرهيب الذي صنعه حسن البنا لم يكن سهلا لدى علماء الدين، ولعل الشيخ شاكر أصابته غيره من هذا النفوذ الديني الذي حققه هذا الشاب وفاق فيه كل العلماء والدعاة في ذلك الوقت، بل فاق حتى الأزهر نفسه، ولذلك فإننا نجد موقف الشيخ شاكر موقفا فريدًا لم يكن لغيره من العلماء، هذا إذا علمنا تسجيل الشيخ الأستاذ الإمام محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر شهادة تطري شخص حسن البنا، حيث ذكر انه مسلم غيور على دينه، يفهم الوسط الذي يعيش فيه، ويعرف مواضع الداء في جسم الأمة الإسلامية، ويفقه أسرار الإسلام، وقد اتصل بالناس اتصالا وثيقًا على اختلاف طبقاتهم، وشغل نفسه بالإصلاح الديني والاجتماعي، على الطريقة التي كان يرضاها سلف هذه الأمة، ورغم أنه فيما بعد – أي المراغي- كان اول من طالب بحل الجماعة، لأنه أيضا أصيب بشيء من القلق فأفتى بحل الجماعة، لأنها في نظره تحولت إلى مرجعية دينية وإفتائية بديلة عن الأزهر الشريف، وأن الجماعة أباحت لنفسها الفتوى في الدين” وهو ما يهدد مكانة الأزهر ويزيح شيخه عن منزلة القيادة الدينية.
مرت الأيام وحدثت جريمة مقتل النقراشي وتورط النظام الخاص لجماعة الإخوان في الجريمة، فهب الشيخ أحمد شاكر بفتاوى العنيفة الصادمة للإخوان المسلمين، وأفتى بقتلهم وجواز التخلص منهم كخوارج لهذا العصر، بل مضى شاكر فى رأيه لما هو أبعد من هذا حيث قال: “وحركة الشيخ حسن البنا وإخوانه المسلمين الذين قلبوا الدعوة الإسلامية إلى دعوة إجرامية هدامة، ينفق عليها الشيوعيون واليهود، كما نعلم ذلك علم اليقين” وهو الأمر الذي أثار ثائرة الشيخ الغزالي، فهب في وجه الرجل كالعاصفة الهادرة وكتب في مقدمة كتابه «من هنا نعلم» والذي صدر في شهر نوفمبر عام 1950، دفاعاً عن الإخوان المسلمين: «إننا نعرف أن الشيخ أحمد شاكر القاضي بالمحاكم الشرعية أصدر فتوى بأن الإخوان المسلمين كفار!! وأن من قتلهم كان أولى بالله منهم (كذا). والرجل الذي كان يصدر هذه الفتوى كان ينبغي أن يطرد من زمرة العلماء، ومع ذلك فلا نحسب أحداً أجرى معه تحقيقاً».
ويبدو أن هذا التجريح الكبير للشيخ أحمد شاكر قد آلم نفس أخيه الاستاذ محمود شاكر، فتسبب في كراهيته للإخوان المسلمين وبغضه لهم، لأنه كان يرى أخاه أحمد ليس شيخًا للحديث فقط وإنما شيخ للإسلام، ومما استوحيناه من حديث الدكتور فهر أنه كان شديد التبعية لأخيه الشيخ أحمد.
الأمر الثاني هو احتدام المعركة بينه وبين سيد قطب، وكانت معارك حامية الوطيس، مثل فيها قطب تلامذة العقاد، بينما كان شاكر تلميذا للرافعي، ولعل التوجه الديني الذي توجه إليه سيد قطب وانضمامه للإخوان فيما بعد، أجج في نفس شاكر كراهية أكثر للإخوان المسلمين فوق ما يحمله لهم من الكره، إذ أنها تضم يوما بعد يوم خصومه وخصوم أخيه الشيخ المحدث أحمد شاكر.!
وحينما نقل حسين أحمد أمين في كتابه شخصيات عرفتها كلام الأستاذ وهبة حسن وهبة وهو من أقطاب الإخوان المسلمين، كلاما يُعرض بشخصية شاكر ويتهمه باتهامات لا تليق كاتهامه له بأنه فاشل فظ وثقيل وقليل الادب ولا يحترم مشاعر الاخرين، و إنسان حقود مر لا يطيق أن يرى غيره ينتج ويحرز الشهرة.! وهو ما يجعلنا نشكك في هذا الكلام الذي لا يمكن أن يخرج من الأستاذ وهبة خاصة مع رجل علماني الفكر ومن خصوم الشريعة الاسلامية ضد رجل محسوب على الهوية الإسلامية.
حتى أدلت الأستاذة صافيناز كاظم بشهادتها في لقائها مع الأستاذ وهبة حسن وهبة فقالت عنه:” كان لا يزال متأثرا مما كتبه الأستاذ حسين أحمد أمين بخصوص الأستاذ محمود شاكر، وقال: “…الأستاذ حسين أحمد أمين لم يكن محقا فيما نسبه إليّ…الأستاذ محمود شاكر رحمه الله حضر إلينا في سجن أبو زعبل سنة 1967 وكنا نحن هناك قبله سنة 1965، رجل كبير، ولم يكن بينه وبين الإخوان مودة، فهو الله يرحمه كان يتلفظ بألفاظ تجريح للأستاذ حسن البنا، لكنه كان وحيدا والسجن به حوالي ثلاثة آلاف… محدّش كان يعرف قدر شاكر مثلي …والله يرحمه كان مدخنا والدخان في السجن ممنوع وصعب لذلك كنت أعتبر أنه من واجبي توفير ما يحتاجه لكن هذا ماكانش يعجب الإخوان… كان في حمايتي عشان محدش يتعرض له، ولا أذكر له إلا كل ود قبل السجن وبعده …هو كان حادا في تعبيراته وخشنا في كلامه لكن هذا لا ينتقص من فضله فهو عالم وعالم جليل.”
ثم نأتي إلى ما كتبه بلال فضل في كتابه (فتح بطن التاريخ) وادعاءه أن الشيخ شاكر كان في السجن لا يطيق الإخوان المسلمين وينفر منهم ولا يحب وجودهم، ويستثقل ريحهم، وهم من يتفقون معه في الهوية، وكان يفضل عليهم الشيوعيين ويأنس بهم رغم اختلافه معهم، وهو كلام خطأ وغير صحيح أثبت نقيضه الإخواني الدكتور نجيب الكيلاني في مذكراته حيث قال:
“في هذه الفترة التقيت بالعلامة الكبير والمفكر المعروف الأستاذ محمود شاكر – مد الله في عمره -وبقيت إلى جواره طول فترة اعتقالي في مزرعة طرة، وربطتنا علاقة وطيدة مفيدة. فكان إذا فتح باب العنبر أرى وجهه يطل علينا كأول وجه بعد وجه السجان، ويهتف بصوته المميز القوى: نجيب … نجيب ) فأقفز من فوق السرير، وأذهب إليه لنبدأ رحلة اليوم في الأحاديث الجميلة، والمعلومات الوثيقة، كان بمثابة مدرسة تتحرك، لديه قناعاته الراسخة التي لا تتزعزع، وهو محقق تفسير الطبري الهام الذي أصدرته دار المعارف، وله كتاب متميز عن المتنبى نال عليه جائزة الملك فيصل الكبرى، ومن أشهر كتبه أباطيل وأسمار الذي رد به على ترهات وأكاذيب الدكتور لويس عوض، كما حقق كتاب ( جمهرة نسب قريش، وديوان : ابن الدمينة ، وغيره من الكتب الثمينة، ولقد كان بيته في شارع الأسود بمصر الجديدة أشبه ما يكون بجامعة كبرى، تتلمذ على يديه فيه أعداد كبيرة من طلبة الدكتوراه والماجستير في العالم العربي كله، وكان صديقا بل أستاذا للكثيرين من قسم الأدب والفكر في مصر وخارجها، وعلى الرغم من أنه اعتقل ضمن الإخوان المسلمين، إلا أنه لم يكن عضوا في الجماعة، ولقد اعتقل مرتين الأولى – كما علمت – سبب صداقته للشيخ الباقوري وزير الأوقاف، وكانا يسهران معا، وكان الأستاذ شاكر يروى بعض والنكات والتعليقات التي تمس الثورة وشخصية جمال عبد الناصر، وقد بلغت هذه الأحاديث مسامع الكبار، فاعتقل الأستاذ محمود شاكر وعدد من الرجال معه منهم الكاتب الإسلامي المعروف الأستاذ عبد الكريم الخطيب، والأستاذ محمد عطا، أما الأستاذ الباقوري فقد أعفى من منصب الوزارة، وحددت إقامته في بيته، وخرج الأستاذ شاكر من المعتقل، وتصدى لكتابات ولويس عوض، مما ساهم في إعادة اعتقاله مرة أخرى في عام ١٩٦٥م
أقول: إن محمود شاكر كان موسوعة علمية متحركة، ولقد روى لي الكثير عن قصة حياته مما لا يتسع المقام له هنا، وفي أوقات الفراغ كنت أجلس معه لتلعب الطاولة (البرد)، وهي مصنوعة من لباب الخبز، وكان يحتشد حولنا مجموعة من المشجعين له ولى، وكان من أكبر المتحمسين له الأخ المعتقل و مصطفى كمال، شقيق الإخواني الشهير الشاب و على صديق »، وكان مصطفى حليق الرأس مثل( يول براينر) الممثل العالمي، ومن شدة غيظى منه كنت أسميه المأجور الأقرع، وكان الأستاذ شاكر يضحك من أعماقه عند احتدام معركة الطاولة بيني وبينه، ويلعب دون اكتراث ويقول: دوسى، فيأتي الزهر بالدوسي، فأتضايق وأهتف في عصبية: ( أنت يا أستاذ شاكر و تقرص ، الزهر .. أنت غشاش.. فيكاد يستلقى على ظهره من الضحك.
وذات مرة كشف الأستاذ شاكر عن صدره وظهره فوجدته مصابا بمرض جلدى اسمه و التينيا»، وكان لابد من إحضار علاج لندهن به جسده، وكان الدورة المياه و حوش، أو فناء مشمس، فأخذت الأستاذ شاكر إلى هناك، ولبس (مايوه: وخلع ملابسه، ووقف عملاقا تحت الشمس ببشرته السوداء، كتمثال من النحاس، وأحضرت قنينة الدواء، وكان بغطائها فرشاة صغيرة لا تتناسب مع حجمه وطوله الفارغ، فكنت أغمس الفرشاة في الدواء، ثم أدهن بها جسده قطعة قطعة، والمارون بنا من المعتقلين يتسمون ، ويكتمون ضحكاتهم .”
ولعلنا هنا نجد مذكرات نجيب الكيلاني تثبت بوضوح أن الرجل كان خلافه مع الاخوان فكريا بحتا، بينما كانت له مع كثير منهم أنس وصحبه وعشرة، ولم يكن كما يقال لا يطيق سماع سيرتهم.. وهو الموقف الفكري الذي حاول المحقق الكبير الدكتور محمد رشاد سالم أن يلقي الضوء عليه حينما قال: “لو أردت أن ألـخِّص باختصار شديد أهم نقاط الخلاف دائماً بين الأستاذ محمود وبين تفكير الإخوان لقلتُ – إنه حسب فهمي -:
أن الأستاذ محمود يرى أن الإسلام لا يُخدَم بمجرد الحماسة العاطفية الفارغة، ولا يُخدَم بمجرد العمل الحزبي السياسي على طريقة الأحزاب الغربية والأحزاب السياسية الـمُحْدَثة، ولكن الإسلام يجب أن نعمل له؛ لأنه حضارة كاملة شاملة، لا بد أن يُقام له صرح علمي واجتماعي وفكري وحضاري، وأن يُجَنِّد المئات من الشباب أنفسهم للعمل لفهم هذا الدين فهماً صحيحاً، ولخدمته علميًّا وفكريًّا أولاً، وإذا اتضحت المفاهيم والأفكار في أذهان المسلمين يأتي بعد ذلك العمل.
فلا عمل قبل العلم، ولا يمكن أن يستقيم العمل للإسلام بدون فهم صحيح وبدون فكر صحيح.
أما الإخوان فكانت القضية الشاغلة لهم: الدولة والحرص على الحكم بمفاهيم إسلامية عاطفية، بمجرد الحماسة الفارغة لكلمة الإسلام، وللرغبة المتعجّلة في الحكم، أدّى هذا إلى أنْ تصطدم الحكومات بالإخوان ويصطدم الإخوان بالحكومات، وأدّى هذا إلى كوارث، وإلى محنٍ أصابت كثيرٍ من شباب المسلمين في هذا البلد.
وقد كانت نظرة الأستاذ محمود صائبة ولا شك؛ لأن من خَرَج من عباءة الإخوان خرّج هؤلاء الشباب المتطرفون أمثال شباب التكفير والهجرة وغيرهم، وأدّى ذلك إلى انحراف الكثير من الشبان في فهمهم للإسلام، ولكن أظن أن التيار الواعي والشباب الفاهم قد كَثُر بحمد الله، والاتجاه إلى الاهتمام بالعلم وبالفهم الإسلامي الصحيح زاد مع مرور الأيام، ولا شك أن هذا من حسنات الأستاذ محمود التي قد يجهلها كثير من الناس وهي محسوبة له عند الله – إن شاء الله -.”
ويمكننا هنا أن نتساءل: هل يمكن أن يكون موقف الأستاذ شاكر من الإخوان موقفا نفسيا قبل أن يكون فكريا؟ والجواب لا بل هو فكري في المقام الأول وإن تحول مع الأيام إلى شذرات نفسية، فهم في بعض فتراتهم كانوا يستقطبونه ويدعونه في بعض ملتقياتهم ومعسكراتهم ليحدث الشباب عن الإسلام في التاريخ واللغة، ولما التقى بكثير من الشباب لم يعجبه تفكيرهم وضاق بهم أشد الضيق، ونفر من وجوده معهم.. فتأججت الجراح القديمة مع الرؤى الحديثة مما جعله لا يطيق اسمهم أو ذكرهم، وحينما كان يزوره بعضهم كان يقول له: “اخلع ما في عقلك مما تعلمته من الإخوان مع جزمتك قبل أن تجالسني”
وبعد هذا أليس من الجدير أن تتم دراسة وجهة نظر الأستاذ شاكر والتوقف أمامها بكثير من التأمل خصوصا مع الأحداث الأخيرة التي منيت بها هذه الجماعة، وما اجترته من مخاطر ومهالك لكثير من الشباب، لماذا تدخل الجماعة معترك السياسة والصراع على الحكم، وهو صراع لا يمكن أن يكون له مستقبل إلا الفشل والدمار والضياع والخسران الأكيد للدعوة وحضورها، بل تسير الجماعة سيرة ريطة الحمقاء التي تنقض غزلها من بعد قوة أنكاسا، فبعد ما تجتهد فيه من العمل الدعوي وتكون لنفسها أرضية جماهيرية وحضور شعبي، تهب للمشاركة السياسية والصراع على الحكم، الذي يقوم بدوره ليأكل كل شيء، ويفسد كل ثمرة، وإني أتساءل: ماذا لو أن الجماعة منذ قيامها قد ركزت كل جهودها للدعوة وحدها؟ كيف ياترى سيكون شكل الآن وطبيعة شعبها وشبابها؟ بل وحجم الإسلام وتأثيره فيها؟
التعليقات