لماذا تدخل العلاقة بين أميركا وأوروبا طور المراجعة الكبرى الآن؟
دين بريس ـ سعيد الزياني
تبدو العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، في صورتها الراهنة، وكأنها تمر بمرحلة انتقالية عميقة، لأن ما يجري يمس “فلسفة التحالف” نفسها: من يقود، ومن يدفع، ومن يقرر، وكيف توزع المخاطر والأرباح في نظام دولي لم يعد يشتغل بمنطق ما بعد الحرب الباردة، وإنما بمنطق تنافس قاسٍ تتداخل فيه القوة الصلبة مع الاقتصاد السياسي والتكنولوجيا، وتتسلل فيه السياسة الداخلية إلى قلب الحسابات الاستراتيجية، فتجعل الالتزام الأمني رهينا بموازين انتخابية وتعبويات شعبوية تتغير بسرعة.
وظل التحالف عبر الأطلسي، منذ سنوات، يعمل كمنظومة شبه تلقائية تقوم على افتراض ثابت مفاده أن واشنطن هي الضامن النهائي للأمن الأوروبي، وأن أوروبا تتكفل ببناء نموذج الرفاه والاستقرار وتقديم الشرعية المعيارية للغرب، إلا أن هذا الافتراض بدأ يتعرض لاهتزازات متتالية جعلت الطرفين يعيدان التفكير في “عقدهما غير المكتوب”، حيث لم تعد أوروبا ترى الضمان الأميركي كحقيقة لا تحتاج إلى برهنة، ولم تعد الولايات المتحدة ترى أوروبا كشريك مكتمل المساهمة في كلفة الردع وإدارة الصراع.
وتلتقط أوروبا، بوضوح متزايد، أن المظلة الأميركية التي كانت تبدو خارج السياسة صارت جزء من السياسة، وأن الاستمرارية التي كان يضمنها تراكم المؤسسات صارت تتأثر أكثر مما كان يتصور باتجاهات المزاج العام (ترامب) وبالاستقطاب الداخلي وبتصاعد خطاب يعتبر أن الحلفاء يستفيدون أكثر مما يدفعون، وهو إدراك يدفع العواصم الأوروبية إلى البحث عن “هوامش أمان” تمنعها من الوقوع في لحظة فراغ أو ابتزاز، ليس بمعنى الانفصال عن الولايات المتحدة، وإنما بمعنى امتلاك قدرة ذاتية تمنح القرار الأوروبي وزنا ميدانيا.
وترى الولايات المتحدة، على عكس من ذلك، أن أوروبا لا تزال تتحرك بإيقاع أبطأ من الإيقاع الذي تتطلبه بيئة أمنية متدهورة، وأن خطاب “الاستقلالية” لا يصير قوة إلا إذا ترجم إلى مصانع ذخيرة واستثمارات طويلة الأمد وتكامل صناعي وخطط تعبئة وقيادة وسيطرة، وأن أي تردد أوروبي في تحويل الاقتصاد إلى قاعدة ردع يجعل واشنطن تعود إلى الشك القديم:
هل تستطيع أوروبا أن تحمل جزء حقيقيا من العبء أم أنها ستظل بحاجة إلى المظلة كاملة عندما تشتد الأزمة؟
يبرز عامل أوكرانيا بوصفه المختبر الأكثر قسوة لهذه التحولات، لأن الحرب هناك لا تختبر فقط قدرة أوروبا على التحمل الاقتصادي والاجتماعي وعلى الحفاظ على وحدة قرارها، وإنما تختبر أيضا قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في دعم طويل النفس في وقت تعيد فيه ترتيب أولوياتها الكبرى نحو آسيا وتستعد لمنافسة أشد تعقيدا مع الصين، وهي منافسة لا تقبل تشتيت الموارد والاهتمام، فتصير الأسئلة العملية داخل التحالف أكثر حدة:
كيف تتقاسم العواصم الغربية مسؤولية التمويل والتسليح والتعويض الصناعي والتحديث العسكري، وكيف تدار الحرب بحيث لا تتحول إلى استنزاف مفتوح، وكيف ترسل إشارات الردع إلى موسكو من دون الانزلاق إلى مواجهات مباشرة، وكيف يحافظ على تماسك الرأي العام الأوروبي والأميركي في مواجهة “حرب طويلة” تتعب المجتمعات قبل أن تنهك الجيوش.
ويكشف هذا الامتحان أن الثقة داخل التحالف أصبحت مرتبطة بقرارات ملموسة تقاس بالذخيرة المتاحة وبقدرة خطوط الإنتاج وبسرعة الإمداد، وهي عناصر تجعل أي خلاف سياسي أو خطاب هجومي يتحول سريعا إلى توتر استراتيجي لأنه يقرأ على أنه مؤشر على تراجع الالتزام أو ضعف الإرادة.
وتدخل “المعركة الخطابية” هنا بوصفها جزء من هندسة القوة داخل التحالف، لأن توصيف أوروبا كقارة عاجزة أو مسترخية أو فاقدة للبوصلة يتجاوز النقد الإعلامي ليؤدي وظيفة ضغط، إذ يسعى إلى دفع الأوروبيين نحو الإنفاق العسكري وتحويل ميزانياتهم إلى استثمار دفاعي طويل المدى، كما يسعى إلى تثبيت فكرة أن واشنطن تدفع الثمن الأكبر وتملك حق تحديد شروط الشراكة، بينما يرد الأوروبيون، حين يرفضون هذا التوصيف ويعتبرونه جلدا سياسيا أو استخفافا بنموذجهم، دفاعا عن القرار الداخلي الذي يتأثر سريعا بكرامة الجماعة السياسية وبصورة الذات في المجال العام، لأن المجتمعات الأوروبية حين تشعر أن الحليف يتعامل معها بمنطق الوصاية تصبح أقل قابلية لقبول مطالبته، حتى لو كانت المطالبة في أصلها مرتبطة بحاجات دفاعية حقيقية.
وتنتقل العلاقة، بهذا المعنى، من تحالف يقوم على الثقة الموروثة إلى تحالف يقوم على التفاوض الدائم حول الاحترام وتبادل المنافع وحدود الضغط، وهو تحول يجعل إدارة اللغة جزء من إدارة الردع، ويجعل أي انفلات لفظي ينتج كلفة سياسية تتجاوز اللحظة.
ويتسع نطاق الخلافات ليشمل الاقتصاد السياسي والتجارة، حيث باتت الولايات المتحدة تنظر إلى الصناعة وسلاسل الإمداد بوصفها امتدادا للأمن القومي، فتدفع نحو سياسات صناعية تحمي الإنتاج الوطني وتعيد توطين بعض القطاعات الحساسة وتؤمن المعادن النادرة والقدرات التكنولوجية، بينما تخشى أوروبا أن تتحول هذه السياسات إلى حمائية مقنعة تضعف تنافسية الصناعة الأوروبية وتفرض عليها كلفة مزدوجة تتمثل في شراء السلاح الأميركي والاستثمار في الإنتاج المحلي في آن واحد، في وقت تواجه فيه أوروبا تحديات الطاقة والتحول الأخضر وضغوط المنافسة العالمية.
وتتحول نقاط الاحتكاك إلى ملفات يومية تتعلق بالدعم الحكومي، والقيود على الاستثمارات، ومعايير المحتوى المحلي، ثم تتعلق كذلك بمستقبل سلاسل القيمة في السيارات الكهربائية والبطاريات والرقائق، حيث يريد كل طرف أن يمسك بجزء أكبر من الحلقة الصناعية، وحيث يصبح الاتفاق صعبا لأن كل تنازل يقرأ داخليا كخسارة وظائف ونفوذ.
ويدفع ملف التكنولوجيا العلاقة إلى مساحة أكثر تعقيدا، لأن واشنطن ترى أن الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة والأمن السيبراني صارت أدوات سيادة وصراع، فتطلب اصطفافا غربيا واضحا ضد الصين في معايير التقنية وفي القيود على التصدير وفي حماية البيانات الحساسة، بينما تريد أوروبا أن تحتفظ بحقها في كتابة قواعد تنظيمية ومعيارية تتصل بالخصوصية وبالمنافسة وبالحد من تغول المنصات الرقمية، وهو اختلاف يجعل كل قرار تنظيمي أوروبي قابلا لأن يقرأ أميركيا كإعاقة سياسية، ويجعل كل ضغط أميركي قابلا لأن يقرأ أوروبيا كمسعى لتحويل أوروبا إلى سوق تابعة تستهلك التقنية من دون أن تنتج شروطها.
ويتحول سؤال “من يكتب القواعد” إلى سؤال سيادة، لأن من يكتب القواعد يتحكم في المستقبل الاقتصادي وفي حدود النفوذ، وهو ما يجعل الصراع على المعايير جزء من الصراع على المكانة في النظام العالمي.
يأخذ ملف الهجرة طابعا خاصا لأنه يتحول إلى مادة تعبئة داخلية عابرة للأطلسي، حيث تبرز داخل الولايات المتحدة تيارات سياسية تجعل من نقد أوروبا في ملف الهجرة مدخلا لنقد نموذجها الليبرالي برمته، وتعتبر أن أوروبا تفقد تماسكها الاجتماعي وتهدد أمنها الثقافي، بينما ترى أوروبا في هذا الخطاب نوعا من تصدير الاستقطاب الأميركي إلى داخل المجتمعات الأوروبية، بما يرفع منسوب التوتر السياسي ويقوي الشعبويات ويضع الحكومات تحت ضغط مزدوج: ضغط إدارة الهجرة كحقيقة اجتماعية واقتصادية، وضغط الدفاع عن شرعية نموذجها وحقه في معالجة الملف وفق أولوياته.
وترتبط هذه التطورات بتحولات النظام العالمي الجديد الذي يتشكل خارج إرادة الغرب وحده، حيث يتراجع منطق العولمة المتفائلة لصالح منطق المنافسة بين كتل وقوى، وحيث تتقدم سياسة العقوبات، وإعادة التموضع الصناعي، وحروب الطاقة والمعادن، وتسييس التجارة والتكنولوجيا، وحيث يصعد “الجنوب العالمي” كمساحة تفاوضية واسعة تريد هامش مناورة ولا ترغب في الاصطفاف الأعمى خلف قوة واحدة، فتستثمر أي شقاق داخل الغرب لتوسيع خياراتها ولانتزاع شروط أفضل في التمويل والتسليح والطاقة والاستثمار.
ولا يصبح الخلاف الأميركي الأوروبي مسألة داخلية تخص الحليفين، وإنما يصير إشارة عالمية تراقبها القوى المنافسة لتحديد متى يمكن اختبار حدود الردع، ويُراقبها الفاعلون الصاعدون لمعرفة مدى تماسك الكتلة الغربية وقدرتها على فرض قواعد أو الدفاع عن نظام معياري.
وتطرح الصين هنا بوصفها العامل الذي يعيد ترتيب أولويات واشنطن ويُربك أوروبا في الوقت نفسه، لأن الولايات المتحدة تريد تحويل الغرب إلى كتلة استراتيجية في مواجهة بكين، بينما تخشى أوروبا أن يؤدي ذلك إلى كلفة اقتصادية ضخمة إذا تحول إلى فصل شامل في التجارة والتكنولوجيا، فتفضل سياسة تقليل المخاطر بدل فك الارتباط، وهو اختلاف في الإيقاع والمنهج يخلق توتراً مزمنا:
تريد واشنطن قرارا سريعا، وأوروبا تريد تدرجا يحفظ المنافسة ويحمي الصناعة ويقلل الخسائر، ومع كل تأخير أوروبي تتصاعد الاتهامات الأميركية بالتردد، ومع كل ضغط أميركي تتصاعد المخاوف الأوروبية من أن تصبح أوروبا مجرد تابع في صراع تحدد شروطه واشنطن وحدها.
تبدو آفاق العلاقة، في المدى المنظور، محكومة بثلاث مسارات ممكنة، مع ترجيح أن الواقع سيتحرك داخل المنطقة الوسطى بينها لا نحو أحدها وحده:
أولا: يقوم المسار الأول على تسوية وظيفية تعيد توزيع الأدوار داخل الناتو من دون تغيير التحالف، فتزيد أوروبا الإنفاق العسكري بصورة منتظمة وتبني قاعدة صناعية دفاعية مشتركة وتؤمن الذخائر والقدرات اللوجستية والاستخباراتية، ثم تحصل في المقابل على التزام أميركي أكثر وضوحا في الردع وعلى شراكة أكثر احتراما في صياغة القرارات.
ثانيا: يقوم المسار الثاني على شراكة مشروطة متوترة يبقى فيها التحالف قائما وتستمر الخلافات في التجارة والهجرة والخطاب والتكنولوجيا، وتتحول المؤتمرات الكبرى إلى محطات اشتباك ثم تهدئة ثم إعادة اشتباك، مع بقاء الاعتماد المتبادل قائما لأن البدائل الكاملة لم تكتمل.
ثالثا: ويقوم المسار الثالث على تباعد مضبوط الإيقاع، إذ تسرع أوروبا تدريجيا بناء قدرات ردع وحماية أكثر استقلالا، فيما تعيد واشنطن توجيه مركز ثقلها الاستراتيجي نحو آسيا، فتتحول العلاقة من تحالف شامل ودائم إلى تعاون انتقائي يفعل بحسب كل ملف على حدة، دون أن يصل الأمر إلى قطيعة فورية، مع ما يعنيه ذلك من انحسار تدريجي للنموذج التقليدي للتحالف عبر الأطلسي.
وترتبط النتيجة النهائية بمدى قدرة الطرفين على إدارة التوتر ضمن إطار إعادة تكييف الشراكة، ويعني ذلك أن الولايات المتحدة قد تستفيد من التعامل مع أوروبا بوصفها شريكا يمتلك ثقلا صناعيا وماليا ومعياريا يمكن أن يعزز القدرة الغربية في المدى الطويل، بينما يرتبط تقدم أوروبا نحو قدر أكبر من الاستقلالية بترجمة هذا الخيار إلى سياسات عملية تشمل رفع الإنفاق، وتوسيع الاستثمار، وتعميق التكامل الصناعي، واتخاذ قرارات أكثر حسما.
ويعني ذلك أيضا أن تباطؤ هذا التحول قد يترك أوروبا أكثر عرضة لضغوط إضافية في فترات الأزمات.
في تقديرنا أن أوروبا تواجه مأزقا مركبا يتجاوز توترها مع واشنطن إلى أزمة وزن تاريخي في النظام الدولي، إذ يجد الاتحاد الأوروبي نفسه مضطرا إلى الدفاع عن أمنه وطاقته وتماسكه الاجتماعي في لحظة تتآكل فيها أدوات النفوذ التي راكمها خلال قرون، بعدما فقد المجال الاستعماري القديم الذي كان يؤمن له الموارد والأسواق وامتدادات التأثير، وبعدما تراجعت القدرة على تحويل التفوق الاقتصادي وحده إلى نفوذ سياسي مستقل في عالم يتصلب ويكافئ من يملك القوة الصلبة وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا والقدرة على الحسم السريع.
وتكشف التحولات الجارية أن موازين القوة تتحرك تدريجيا نحو الشرق حيث تتجمع الصناعة والسكان والاستثمار والطموح الجيوسياسي، وحيث تعاد هندسة طرق التجارة والطاقة والتمويل خارج القواعد الأوروبية التقليدية، فتجد القارة نفسها مطالبة بإعادة تعريف دورها من مركز يفرض القواعد إلى لاعب يحاول تثبيت موقعه بين أقطاب صاعدة، وهي معادلة تفسر حساسية أوروبا المفرطة تجاه أي تراجع في الضمان الأميركي، لأنها تدرك أن خسارة المكانة في لحظة انتقال عالمي قد تتحول سريعا إلى واقع دائم يصعب عكسه.
التعليقات