لعبة المظلومية عند الإخوان المسلمين في فرنسا: المسلم بين منطق الدولة ومنطق التنظيم

3 أبريل 2026

عبد الحي السملالي

منع مؤتمر الإخوان المسلمين لا يوقف فكرة: قراءة في صناعة المظلومية في ضوء سيكولوجية الجماهير

يشكّل قرار منع فعالية لوبورجيه مثالًا دالًا على الكيفية التي تُنتج بها السلطة — أحيانًا دون قصد — ديناميات المظلومية، وتحوّل حدثًا اعتياديًا إلى موضوع تعبئة جماهيرية. فالمنع المتأخر لا يوقف فكرة، بل يوفّر لها شروط التحوّل إلى عاطفة جمعية. وفي هذا السياق، تبدو مقولات غوستاف لوبون حول سيكولوجية الجماهير إطارًا مناسبًا لفهم ما جرى: إذ إن السلطة حين تتصرف تحت ضغط الانفعال، فإنها تُحرّك الجماهير بدل أن تُهدّئها.

فالبلاغ الصادر مساء الأول من أبريل، قبل ساعات فقط من انطلاق الفعالية المقررة من 3 إلى 6 أبريل، لا يمكن تفسيره إلا باعتباره خطأً استراتيجيًا. فإذا كان الخطر “حقيقيًا”، كان من المنطقي الإعلان عنه قبل أسابيع، لا في اللحظة التي يصبح فيها المنع أكثر استفزازًا من الحدث نفسه. وبهذا، لم تُظهر الدولة صرامة، بل كشفت ارتباكًا مؤسسيًا، وأسهمت — من حيث لا تريد — في رفع منسوب التوتر.

غير أن الإشكال الأعمق لا يكمن في قرار المنع ذاته، بل في طبيعة الفعالية نفسها وفي الاستثمار المتعدد المستويات الذي سيُبنى عليها. ففعالية لوبورجيه، وإن قُدّمت في ظاهرها بوصفها نشاطًا دينيًا، فإنها — في بنيتها التنظيمية — تقوم على منطق التسويق الديني (marqueting religieux)، حيث تُحوَّل التجمعات الروحية إلى فضاءات استهلاك، وتُعاد صياغة الهوية الدينية ضمن إطار تجاري–ماركيتيكي يستفيد من كثافة الحشود ومن قابلية الجمهور للانخراط العاطفي.

وبين السطور، يتضح أن الفعالية ليست مجرد لقاء ديني، بل منصة اقتصادية تُستثمر فيها الرموز الدينية، وتُعاد فيها صياغة الانتماء بوصفه منتجًا يمكن تسويقه، وتُدار فيها الجماهير بمنطق أقرب إلى إدارة “الزبائن” منه إلى إدارة “المؤمنين”. ومن ثمّ، فإن المنع لا يضرب حدثًا دينيًا فحسب، بل يضرب أيضًا سوقًا هوياتية قائمة على الاستهلاك الرمزي والمادي معًا.

وفي لحظة واحدة، تحوّل لوبورجيه من فعالية ذات طابع ديني–تجاري إلى رمز مظلومية، ومن نشاط سنوي إلى مناسبة تعبئة. ومن المتوقع أن يُوظّف التنظيم هذا المنع لتعزيز قابلية الانقياد لدى جمهوره، لا لبناء وعي نقدي. فالمظلومية حين تُمنح في توقيتها المناسب، تتحول من شعور عابر إلى هوية جمعية.

وتتضح الصورة عبر ثلاثية متشابكة:
• الدولة تصنع “شهيدًا” ببلاغ مرتجل،
• التنظيم يصنع “جمهورًا وفيًا” بخطاب تعبوي،
• والجماهير تتحرك وفق منطق الانفعال لا منطق التحليل.

هذه الدينامية ليست جديدة؛ فهي تتقاطع مع ما حذّر منه التراث الإسلامي في وصفَي “الغثائية” و“الإمَّعة”: جمهورٌ يُعاد تشكيله عبر خطاب يخلط بين الدين والهوية والمظلومية، فيتحول من مجتمع إلى كتلة انفعالية يسهل توجيهها.

وتزداد المفارقة حدّة حين نلاحظ أن الدولة والتنظيم — رغم خصومتهما المعلنة — يشتغلان بالمنطق ذاته:
• الدولة تُدير الجماهير عبر آليات الخوف،
• والتنظيم يُديرها عبر آليات العاطفة والتسليع،
• وكلاهما يعيد إنتاج نموذج الإنسان التابع، لا الإنسان الفاعل.

إن تجاوز هذه الحلقة لا يتحقق بمنع يصنع شهيدًا، ولا بخطاب يصنع قطيعًا، بل بإعادة بناء الوعي الفردي خارج ثنائية الدولة والتنظيم معًا. فالمطلوب هو فاعل اجتماعي يمتلك القدرة على قراءة ما بين السطور، وعلى مقاومة الاستدراج الانفعالي، وعلى إدراك البُعد الاقتصادي–الهوياتي الذي يُعاد من خلاله تشكيله. ذلك الفاعل الذي يعيد المقاصد إلى معناها الأصلي:
تحرير الإنسان، لا ضبطه.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

لم يعد للأقصى رب يحميه..

أثار منع شرطة الاحتلال الإسرائيلي، الأحد الماضي، بطريرك الكنيسة اللاتينية في القدس من دخول كنيسة القيامة في البلدة القديمة لترؤس قداس أحد الشعانين، موجة واسعة من الغضب في الأوساط السياسية والدينية، وفتح الباب أمام تفاعل كبير على منصات التواصل الاجتماعي. ولم تلبث الواقعة أن خرجت من نطاقها الميداني الضيق لتتحول إلى قضية ذات بعد دبلوماسي، […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...