لا تعارض في الإسلام بين التفكير الديني الصحيح و التفكير الفلسفي المنضبط بقواعد العقل الصريح
ذ. محمد المهدي اقرابش
عضو أكاديمية نيم الفرنسية وعضو منتدى الإسلام بفرنسا.
أمين المجلس الفرنسي للإرشاد الإسلامي. عضو مؤسس للجامعة الشعبية للأديان بنيم.
لا شك في أن علم الكلام والفلسفة تربطهما وشائج وعلاقات وثيقة، وقد أكد هذه المسألة كل من ابن رشد الحفيد من خلال كتابه فصل المقال وابن طفيل في رائعته حي بن يقظان.
إن التفكيرين الديني والفلسفي يسعيان قدر الإمكان إلى الجواب عن مسائل ميتافيزيقية، وهو مايعرف فلسفيا بالإلهيات، و دينيا بعلم الكلام.
مسائل الميتافيزيقيا أو الغيبيات هي المواضيع الأساسية التي يتطرق إليها التفكيران و بإلحاح و إصرار من العقل؛ هذا الفاعل و المحرك الأسمى في الإنسان من حيث التكليف والحجاج والجدل والمنطق وأطر المعرفة وحدود الإدراك في الزمن والمكان كما هو مبين و مسطور في كتابات متكلمي وفلاسفة الشرق والغرب، و أسوق على سبيل المثال في تراثنا الإنساني صاحب “فصل المقال” ابن رشد الحفيد وصاحب “نقد العقل الخالص” إيمانويل كانط.
يبحث التفكير الديني والفلسفي معا في الربوبية، إلا أن التفكير الديني ينطلق من مسلمة وهي الاعتقاد بإله واحد مطلق الكمال. أما الفيلسوف فإنه يهتدي بتفكيره إلى الحقيقة نفسها، هذا إذا كان تفكيره مؤسسا على قواعد منطقية وعقلية متجردة عن الهوى. إذ لا تعارض بين العقل والنقل في مثل هكذا مسائل؛ ولهذا قال الإمام الغزالي بنورين أحدهما الوحي وهو عقل من الخارج و أما الآخر فهو العقل نور الداخل. وابن طفيل قد جاوز هذا إلى إقرار عقل ثالث! وهو المنبعث من القلب ولعله هو الذي قصده الفيلسوف بليز باسكال في مقولته الشهيرة: “القلب له أسبابه التي لا يعرفها العقل”.
يحيلنا هذا التعبير إلى قول الله تعالى في سورة الحج: “فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”. يسعى التفكير الديني السليم والتفكير الفلسفي المتجرد عن الهوى والغرض إلى معرفة بدء الخلق، فيبحث المتكلم أصل ومرجع سؤاله انطلاقا من مُسَلَّمَةِ أن العالم وما فيه من خلق الله تعالى، أما الفيلسوف فإنه يهتدي إلى الحقيقة نفسها . ولكن ألا يجمل بنا أن نتريث في قبولنا بهذه التفرقة بين المتكلم والفيلسوف والمتصوف؟ أليست هذه نظرة غربية تعلمناها في مدارسنا انطلاقا من فلسفات عصر الأنوار الأوروبية؟ أليس المتكلم عندنا هو فيلسوف والفيلسوف هو متصوف والمتصوف هو متكلم؟ فهو كالعملة الواحدة وبوجهين أحدهما فلسفة والأخرى علم كلام وتزكية.
أليس التأويل هو باب من أبواب الفلسفة للبحث عن مطابقة النقل لمقتضى العقل والحال و مطابقة العقل لمقتضى الكلام والحال مع الإشارة إلى عبارة “و الله أعلم” لأن الحقيقة المطلقة والعلم المطلق عند الله.
يرتكز التفكير الديني على الإيمان بالغيب، والإيمان بالغيب لا يستمد أساسا وحصرا من المصادر الحسية او الكليات العقلية بل من الوحي الذي هو عطاء الله للجميع عدلا وحقا وصدقا؛ لأن الحكمة او الفلسفة ليست في متناول الجميع، بل هي رزق للخاصة كما قرر ذلك ابن طفيل وابن رشد وغيرهما. و الحكمة أصل من نوع إلهي يعطى للعالم الولي صاحب الإشراقات أو للعالم الفيلسوف الراسخ في علم الكلام.
وخلاصة الكلام نقول: إن التفكيرين لا يتعارضان ولكن المنطلقات هي التي تختلف من تفكير إلى آخر، أما الأول فمنطلقه الوحي وأما الثاني فمنطلقه الفلسفة أو الوجدان (التصوف).
والمنطلقات هذه تسدد وتوجه بهدي الوحي وبنور العقل ليستقر الإيمان في القلب. وعليه فقد صدق القائل حين قال: العقل كالمطية توصلك إلى حضرة السلطان، لكن لا تدخل معك عليه.
والله أعلم
التعليقات