كيف نستقبل شهر رمضان؟ (1)

في البشارة بدخول رمضان والتهنئة فيه

ذ محمد جناي
دراسات وبحوث
ذ محمد جناي15 مارس 2023آخر تحديث : الأربعاء 15 مارس 2023 - 4:54 مساءً
كيف نستقبل شهر رمضان؟ (1)

ذ. محمد جناي*
كل عام تستقبل الأمة الإسلامية شهر رمضان بالغبطة والسرور ، فهو شهر العبادة وتلاوة القرآن ، والتوبة والغفران ، و ومبعثا لكوامن الشعور النبيل، والأفكار النبيلة ، والأوصاف الحسنة ، والمواعظ الطيبة من قبل العلماء والأدباء والمفكرين والشعراء ، فكلما هل هلال رمضان على العالم الإسلامي، كان لزاما على أهل العلم ومؤسساته استثمار هذا الموسم الكريم بالإكثار من الدعوة إلى الله والنصح والإرشاد بشتى الوسائل الممكنة، لأن محبة الخير للناس، وترغيبهم فيه، وتقريبه إليهم، علامة على متانة الدين، وطيب النفس، وكمال العقل، وصدق النصح.

وما هي إلا أيام قلائل حتى تكتمل دورة الفلك ، ويشرق على الدنيا كلها هلال شهر رمضان المبارك ، الذي تهفو إليه قلوب المؤمنين وتتشوق إليه نفوسهم ، وتتطلع شوقا إلى بلوغه لتنتظم في جامعته الكبرى ، التي تفتح أبوابها كل عام لتستقبل أفواج الصائمين من كل أنحاء المعمورة ،وحينها تبدأ الاستعدادات على قدومه ، حيث يقوم بعض المتطوعين بطلاء المساجد وتنظيفها وتجديد ما يمكن تجديده، وفي التاسع والعشرين أو الثلاثين من شهر شعبان ، عندما تثبت رؤية هلال رمضان ، تقوم وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بإعلان قدوم الشهر المبارك ،فتطلق 21 طلقة مدفع للترحيب بالضيف العزيز، فيتبادل المغاربة عبارات التهنئة بقدومه، ويمتد الحال بهم حتى يعلو صوت النفار والغياط معا .

و ميزة رمضان المبارك أنه فريضة اجتماعية ، مع فرضه على آحاد المكلفين ، فهو موعد معلوم من العام لتعويد الجماعة على نظام واحد من المعيشة ، وعلى نمط واحد من تغيير العادات، وليس أصلح لتربية الأمة من تعويدها هذه الأهمية للنظام و لتغيير العادات ، شهرا في كل سنة ، تتلاقى فيه على سنن واحدة في الطعام واليقظة والرقاد ، وبما يستتبع ذلك من أهمية الجماعة كلها لهذا الشهر خلال العام .

و لقد بنى الله – جل جلاله – دين الإسلام على شرائع وعبادات و فرائض وواجبات، أقامها على دعائم من الخير وقواعد من البر تفيد أهلها في الدنيا وتنفعهم في العقبى ، وتسعدهم في الدنيا والآخرة ، وإن أعظم تلكم الشرائع وأجلها بعد الشهادتين والصلاة والزكاة هو صوم شهر رمضان ، الذي جعله الله فريضة على هذه الأمة ووسيلة عظمى لتقواه، كما قال الله تعالى : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ اُ۬لصِّيَامُ ﴾ إلى قوله تعالى :﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، فالله تعالى لم يشرع الصوم لحاجته إليه ، كلا بل هو الغني الحميد ، الكامل في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، فلا يحتاج إلى أحد ، ولا يحتاج إلى شيء ، بل كل شيء فقير بذاته إليه، وهو الغني بالذات عن جميع الأشياء وعن جميع المخلوقات، فالله تعالى شرع الصيام ليكون وسيلة عظمى لتقواه سبحانه، وتقوى الله جماع خيري الدنيا والآخرة، وهي وصية الله للأولين والآخرين ، كما قال الله تعالى :﴿ وَصَّيْنَا اَ۬لذِينَ أُوتُواْ اُ۬لْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمُۥٓ أَنِ اِ۪تَّقُواْ اُ۬للَّهَۖ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلهِ مَا فِے اِ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِے اِ۬لَارْضِۖ وَكَانَ اَ۬للَّهُ غَنِيّاً حَمِيداٗۖ ﴾ (النساء :130).

قال ابن القيم في زاد المعاد :” المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات ، وفطامها عن المألوفات ، وتعديل قوتها الشهوانية ، لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها ، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية ، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها ، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين ، وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب ، وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها ، ويسكن كل عضو منها وكل قوة عن جماحه وتلجم بلجامه ، فهو لجام المتقين ، وجنة المحاربين ، ورياضة الأبرار والمقربين “.

وأما حكم التهنئة بدخول شهر رمضان ، فيلزمنا قبل البدء بذكر حكمه أن نقوم بتأصيل موضوع التهنئة، فيقال: التهاني – من حيث الأصل – من باب العادات، والتي الأصل فيها الإباحة، حتى يأتي دليل يخصها، فينقل حكمها من الإباحة إلى حكم آخر، قال الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي – رحمه الله- في منظومة القواعد:

وَالأَصْلُ في عَادَاتِنَا الإِبَاحَةْ      حتَّى يَجِيءَ صارِفُ الإِبَاحَةْ

وَلَيْسَ مَشْرُوعًا مِنَ الأُمُورْ       غَيْرُ الَّذِي في شَرْعِنا مَذْكُورْ

ثم قال معلقا رحمه الله على ذلك: وهذان الأصلان العظيمان ذكرهما ابن تيمية رحمه الله في كتبه، وذكر أن الأصل الذي بني عليه الإمام أحمد مذهبه أي أن العادات الأصل فيها الإباحة ، فلا يحرم منها إلا ما ورد تحريمه، إلى أن قال : فالعادات هي ما اعتاد الناس من المآكل والمشارب، وأصناف الملابس والذهاب والمجيء، وسائر التصرفات المعتادة، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله تعالى ورسوله ، إما نصا صريحا، أو يدخل في عموم، أو قياس صحيح، وإلا فسائر العادات حلال، والدليل على حلها قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 29]، فهذا يدل على أنه خلق لنا ما في الأرض جميعه لننتفع به على أي وجه من وجوه الانتفاع.

إذا كانت التهنئة بقدوم رمضان من باب العادات، فلا ينكر منها إلا ما أنكره الشرع، ولذا مرر الإسلام جملة من العادات التي كانت عند العرب، بل رغب في بعضها، وحرم بعضها، كالسجود للتحية، فذهب الجمهور من الفقهاء إلى أن التهنئة بالعيد لا بأس بها، بل ذهب بعضهم إلى مشروعيتها،وإذا كانت التهنئة بالعيد هذا حكمها، فإن جوازها في دخول شهر رمضان الذي هو موسم من أعظم مواسم الطاعات، وتنزل الرحمات، ومضاعفة الحسنات، والتجارة مع الله من باب أولى.

وهذا ما أكده النفراوي رحمه الله : (ما سئل عنه الإمام مالك رضي الله تعالى عنه من قول الرجل لأخيه يوم العيد: تقبل الله منا ومنك، يريد الصوم وفعل الخير الصادر في رمضان، غفر الله لنا ولك؟ فقال: ما أعرفه ولا أُنكره. قال ابن حبيب: معناه لا يعرفه سنة ولا ينكره على من يقوله ؛ لأنه قول حسن ، لأنه دعاء، حتى قال الشيخ الشبيبي: يجب الإتيان به؛ لما يترتب على تركه من الفتن والمقاطعة، ويدل لذلك ما قالوه في القيام لمن يقدم عليه، ومثله قول الناس لبعضهم في اليوم المذكور: عيد مبارك، وأحياكم الله لأمثاله، ولا شك في جواز كل ذلك، ولو قيل بوجوبه لما بعد؛ لأن الناس مأمورون بإظهار المودة والمحبة لبعضهم) ((الفواكه الدواني)) (2/652، 653).

ولا ريب أن بلوغ شهر رمضان وإدراكه نعمة دينية، فهي أولى وأحرى بأن يهنأ المسلم على بلوغها، كيف وقد أثر عن السلف أنهم كانوا يسألون الله عز وجل ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، وفي الستة الأخرى يسألونه القبول، ونحن نرى العشرات ونسمع عن أضعافهم ممن يموتون قبل بلوغهم الشهر.

وبالجملة : فالصيام شرع تعبدا لله وخضوعا لأمره وتعظيما له سبحانه ليتحلى المسلم بالتقوى التي هي فعل الأوامر وترك المحارم ، فالصائم يثبت عظمة نفسه وعلو قدرها وتتيقظ عنده ملكة المراقبة ومجرد الصوم عن الطعام والشراب والتمتع الجنسي إنما هو الصيام الحيواني ، لكن الجانب الروحي هو الأهم ومن هنا يقول نبينا الكريم : ” مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ “، ويستحق الإنسان بعدئذ قول الله تعالى :” لَقَدْ خَلَقْنَا اَ۬لِانسَٰنَ فِےٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٖ “، وإلا انتكس وانطبق عليه قوله تعالى :” ثُمَّ رَدَدْنَٰهُ أَسْفَلَ سَٰفِلِينَ * إِلَّا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ اُ۬لصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمُۥٓ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٖۖ “،فالواجب على العبد أن يؤدي الصيام بإخلاص وصبر وطواعية وانشراح صدر محفوظا عن كل ما يشينه أو يجرحه أو ينقص ثوابه، فإن الصائم يترك المحبوب من الشهوات لرضا المحبوب الخالق سبحانه، فالصيام نعمة كبرى ، به تكفر الذنوب، وترفع الدرجات .

* خرّيج جامعة القرويين، كلية أصول الدين بتطوان، خرّيج برنامج صناعة المُحاور (الدفعة السادسة)، مهتم بالمجال الفكري الإداري المعاصر 
ــــــــــــــــــــــ
هوامش :
– وظائف رمضان – تحتوي على ستة وعشرين فصلا – في الوعظ، وخاتمة في الترغيب في صيام ستة أيام من شوال ، تأليف الشيخ سليمان بن عبد الرحمن العمري، منشورات المؤسسة السعيدية بالرياض ، الطبعة الثالثة : 1399 – 1979 م.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.