كيف ضلت روسيا طريقها في منطقة دول الساحل؟
رشيد المباركي
ذكرت صحيفة “فاينانشال تايمز” في تحليل أن استراتيجية العسكرية الروسية في مالي تعرضت لانتكاسة كبيرة بعد هجوم منسق شنه انفصاليون من الطوارق من جبهة تحرير أزواد ومقاتلون جهاديون مرتبطون بتنظيم القاعدة، حيث تمكنوا من سحق القوات شبه العسكرية الروسية في منطقة كيدال الشمالية.
واضطرت القوات، التي تعمل الآن تحت قيادة فيلق أفريقيا المدعوم من الكرملين بعد أن حلت محل مجموعة فاجنر، إلى التراجع، مما كشف عن عجزها عن تحقيق الاستقرار في البلاد رغم سنوات من التدخل. وقد أثارت عملية كيدال – التي كانت تعتبر في يوم من الأيام انتصارا رمزيا هاما للنظام العسكري في مالي – شكوكا حول فعالية روسيا كشريك أمني، كما أنها تهدد بقاء الحكومة الموالية لروسيا في باماكو. كما سلط الهجوم الضوء على تنامي قوة وتنسيق الجماعات المتمردة، التي كثفت هجماتها في جميع أنحاء مالي، بل وهددت العاصمة. وتفاقمت الأزمة مع اغتيال وزير الدفاع ساديو كامارا وإصابة رئيس المخابرات موديبو كونيه بجروح خطيرة خلال هجمات قرب باماكو. وتصاعد الغضب الشعبي بعد اتهام القوات الروسية بالتخلي عن الجنود الماليين أثناء انسحابهم، مما أضر بصورة موسكو التي حرصت على بنائها كحليف موثوق. وبينما ينفي المسؤولون الروس وقوع هجوم كبير، يقول المحللون إن العملية قد أضعفت بشكل ملحوظ سمعة روسيا ونفوذها في أفريقيا.
وتعزى الصعوبات التي تواجهها روسيا إلى عدة عوامل. فقواتها الصغيرة نسبيا – حوالي 2000 جندي – تفتقر إلى قدرات الاستخبارات والمراقبة التي كانت توفرها سابقا القوات الغربية، مما يصعّب تتبع المتمردين في جميع أنحاء مالي الشاسعة. كما أن ضعف التنسيق مع الجيش المالي، وعدم ملاءمة المعدات لحرب الصحراء، والنهج العملياتي الأكثر حذرا مقارنة بعملية فاجنر، قد حدّ من فعاليتها. بالإضافة إلى ذلك، أدت اتهامات ارتكاب فظائع ضد المدنيين إلى تأجيج الاستياء وزيادة التجنيد في الجماعات المسلحة، مما فاقم الوضع الأمني بدلا من تحسينه. وتكشف هذه النكسة أيضا عن مشاكل هيكلية أعمق في الشراكة الروسية المالية؛ حيث يبدو أن كلا الجانبين قد بالغ في تقدير قدرات الآخر، فقد اعتمدت مالي بشكل كبير على الدعم الروسي لمحاربة المتمردين، فيما اعتمدت روسيا على جيش محلي ضعيف ومشتت. وكانت المهمة تقدر بنحو 900 مليون دولار إلا أنها لم تحقق سوى نتائج محدودة، باستثناء مساعدة النظام على التشبث بالسلطة. ويتوقع المحللون أن تقلص روسيا طموحاتها في المستقبل، وأن تركز على حماية المواقع الحيوية والبنية التحتية بدلا من محاولة السيطرة على البلاد بأكملها.
التعليقات