كيف تدير “رؤوس” الحرب النفسية في طهران معركة القضم الإعلامي وصناعة النفوذ؟

19 أبريل 2026

علي البلوي

في دهاليز المؤسسات الإعلامية الكبرى بطهران، وتحديداً داخل المربع الأمني المعزول التابع لهيئة الإذاعة والتلفزيون (IRIB)، لا تُصنع السياسات البرامجية بمنطق المهنة الإعلامية التقليدية التي تتوخى التوازن أو الخبر المجرد، بل تُحاك كخطط عمليات عسكرية يقودها “جنرالات” خلعوا بزة الحرس الثوري العسكرية ليرتدوا عباءة التوجيه المعنوي والإعلامي.

إن التدقيق في سير التحولات القيادية داخل هذه المنظومة، بدءاً من حقبة محمد سرافراز، الذي تصفه تقارير مراكز الدراسات الغربية مثل (The Washington Institute) و(Foundation for Defense of Democracies) بأنه المهندس الفعلي للاختراق العار لسيادة الدول ومؤسس أذرع البروباغندا الدولية كقناتي “العالم” و”Press TV”، يكشف بوضوح أن التعامل مع الفضاء الإعلامي يتم كجبهة “اشتباك حيوي” هدفها النهائي فرض الهيمنة وتوسيع مناطق التأثير الإقليمي عبر استراتيجية “تصدير الأزمة” وتلقيم العقول بسرديات بديلة.

هذه الماكينة التي تدار اليوم بعقلية أمنية صرفة تحت قيادة بيمان جبلي ومن بعده، الذي أرسى قواعد “الإعلام الهجومي” بدمج مفاصل الإعلام الرسمي بمركز القرار في المجلس الأعلى للأمن القومي، انتقلت في عام 2026 من مرحلة “القوة الناعمة” إلى مرحلة “إعلام الحرب الشاملة” وصناعة “الواقع الموازي” تماشياً مع التحولات السياسية العميقة في هيكلية السلطة العليا بطهران وتصاعد نفوذ الجناح الأكثر راديكالية في الحرس الثوري.

وتعتمد هذه الرؤوس القيادية، وفقاً لتقارير أمنية وتحليلات رصدتها منصات دولية متخصصة في تتبع التهديدات السيبرانية مثل (Mandiant) و(Recorded Future)، على تكتيك “تعدد الأقنعة” وتوظيف “الجيوش الإلكترونية” المنظمة التي تدير آلاف الحسابات الوهمية من مراكز عمليات متطورة في مشهد وأصفهان، لشن حملات تضليل ممنهجة تستهدف زعزعة الاستقرار المجتمعي في المناطق المنافسة عبر دمج “المقدس الأيديولوجي بالسياسي البرغماتي” وتطويع الوجدان الشعبي الباحث عن “مخلص” وهمي.

ومع دخول ربيع عام 2026، وصعود نخب قيادية جديدة في الدوائر الضيقة لصنع القرار تتبنى رؤية “السيادة العابرة للجغرافيا”، تحول الإعلام الموجه إلى أداة “حشد أيديولوجي” عابرة للحدود، تستثمر في الأزمات الإقليمية لفرض سردية “المركز” كحتمية وحيدة وملاذ أخير، مستخدمةً أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي في “التزييف العميق” (Deepfake) لتركيب خطابات وصور كاذبة وإدارة عمليات نفسية (PSYOPs) كثيفة تستهدف ضرب الروح المعنوية وتفكيك الجبهات الداخلية للخصوم من الداخل.

إن هذه الماكينة ترتبط عضوياً بـ “اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية” (IRTVU)، الذي يعمل كغرفة عمليات موحدة لإدارة أكثر من 200 قناة ومنصة رقمية موزعة في العراق واليمن ولبنان وسوريا، مما يخلق حالة من “الضجيج المنظم” الذي يحاصر المتلقي العربي من كافة الجهات.

والخطورة الحقيقية تكمن في تحول الإعلام من منبر للتواصل الإنساني إلى “منصة إطلاق” للصواريخ السياسية والاجتماعية تهدف إلى تحييد القوى المقابلة وتفتيت نسيجها الوطني، مما يجعل من فهم سيكولوجية هذه القيادات المصبوغة بالصبغة المخابراتية، وتتبع شبكات تمويلها المعقدة التي تتداخل فيها أموال “الخمس” بالاستثمارات المشبوهة في الخارج، ضرورة استراتيجية قصوى لتفكيك روايات “المظلومية والرسالية” المزيفة التي تتستر خلفها أطماع التوسع القومي، ومحاولات إعادة صياغة الهوية الثقافية للمنطقة برمتها وفق المنظور الأمني والجيوسياسي المتطرف الذي تتبناه المرجعية السياسية الجديدة في طهران.

ومن الملاحظ في عام 2026 أن هذه القيادات بدأت تعتمد على “دبلوماسية الخوارزميات”، حيث يتم التلاعب بمحركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي العالمية لضمان تصدر الرواية الإيرانية للمشهد عند كل أزمة إقليمية، وهو ما يمثل ذروة “الاستعمار الرقمي” الذي يمارسه نظام طهران ضد شعوب المنطقة، مستفيداً من فجوات الوعي التقني لفرض تبعية فكرية مطلقة لـ “أم القرى” بنسختها الفارسية الجديدة.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

أي مغرب نحتاج بعد الحرب؟

عمر العمري تفرض الحرب المدمرة التي دارت خلال الأسابيع الماضية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران و”حزب الله” من جهة أخرى، على المغرب، وهو يراقب من أقصى الغرب العربي هذا التحول العنيف في موازين الصراع، وقفة تأمل عميقة لاستخلاص العبر، ومراجعة الواقع الوطني، وتشخيص مجالات النقص والضعف، وصياغة عناصر القوة التي ينبغي بناؤها في […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...