كيف أطاحت “عقلية الصفقات” بأوهام السيادة الإيرانية؟
علي البلوي
يخطئ من يقرأ المشهد الإقليمي بعيون الانبهار بـ “النفس الطويل” لطهران، ويخطئ أكثر من يظن أن القيادة الإيرانية عبارة عن نادٍ للعباقرة المعصومين، أو أنهم يمتلكون تفوقاً تفاوضياً يضع واشنطن في موقف الضعف.
إن الصورة النمطية التي حاولت طهران تسويقها عن “الدهاء التفاوضي” بدأت تتهاوى لتكشف عن عجز بنيوي في إدارة الأزمات؛ حيث تظهر القيادة الإيرانية مسكونة بـ “عقم المبادرة” وأفكار تفاوضية تقليدية وجامدة، استقاها عباس عراقجي وفريقه من نظريات قديمة تعتمد على المماطلة والرهان على تآكل الوقت، وهي استراتيجية أثبتت فشلها الذريع أمام عقلية دونالد ترامب التي لا تخضع للقواعد الكلاسيكية ولا يمكن التنبؤ بمساراتها.
تتمثل معضلة إيران الأزلية في “التذبذب الاستراتيجي” والتردد المزمن في اتخاذ القرار، والرهان الخاسر على إمكانية الفصل بين التوجهات الأمريكية والمصالح الإسرائيلية فيما يخص المنطقة.
هذا الانفصال عن الواقع، والتعويل على انتزاع “معاملة حسنة” من البيت الأبيض عبر أدوات ضغط أصبحت منتهية الصلاحية، هو الثقب الأسود الذي يبتلع نفوذ النظام. لقد أدركت طهران متأخرة أن “مدرسة عراقجي” لا تملك إجابات أمام واقع الصفقات الكبرى والتحولات الجذرية التي يقودها ترامب، وهو ما وضع النظام في حالة انكشاف كامل.
وما زاد من حدة الأزمة هو نهج “الاستعلاء الاستراتيجي” الذي تبنته دوائر صنع القرار، حيث ساد اعتقاد واهم بامتلاك قدرة فائقة على إدارة التوازنات الإقليمية بمعزل عن المتغيرات الدولية. هذا الانفصال أدى إلى حالة من الجمود في الأدوات الدبلوماسية؛ فبدلاً من تبني براغماتية مرنة، تحصن النظام خلف سرديات “السيادة المطلقة” وشعارات النفوذ العابر للحدود، وهو ما انعكس في شكل أداء ديبلوماسي متصلب يرى في التنازلات الواقعية ضعفاً، وفي الصدامات الصفرية قوة.
إن هذا “الوهم بالتميز التفاوضي” لم يكن سوى غطاء لارتباك بنيوي في فهم موازين القوى الجديدة، مما جعل السياسة الخارجية الإيرانية أسيرة لتصورات تاريخية لم تعد صالحة لإدارة صراعات القرن الحادي والعشرين.
إلى جانب ذلك، يبرز “الانفصام الاستراتيجي” لدى صانع القرار في طهران؛ حيث يعيش النظام حالة من الإنكار المزمن لتبدل موازين القوى، معتقداً أن العالم ما يزال محكوماً بقواعد الحرب الباردة.
إن التمسك بنماذج تفاوضية صينية قديمة لا تتوافق مع “البراغماتية المتوحشة” التي تدير بها واشنطن ملفاتها حالياً، يعكس عجزاً عن التكيف وتفضيلا للعيش في جلباب الماضي. هذا الإصرار على المواجهة بأدوات دبلوماسية “مهترئة ” أدى إلى تعرية النظام داخلياً، ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام شعب لم يعد يقتنع بوعود “النصر الإلهي” بينما يرى مقدراته تتبدد في مغامرات إقليمية خاسرة.
لقد بدأت أحجار الدومينو الإيرانية في السقوط فعلياً؛ ففي بيروت، خسر النظام رهانه على تحويل لبنان إلى منصة نفوذ دائمة. أما الضربة القاصمة فكانت في سوريا، بسقوط الرهان على بقاء الأسد وقيام نظام جديد مناوئ تماماً لأيديولوجية طهران، وقريب في توجهاته من القوى الإقليمية الفاعلة، مما يعني قطع شريان الإمداد الحيوي.
وفي العراق واليمن، بدأت الرمال تتحرك تحت أقدام الموالين لها مع تصاعد الضغوط الامريكية والرفض الشعبي للتبعية، مما ينذر بخسارة وشيكة لهذه الملفات.
إن هذه الخطايا الاستراتيجية والسلوكية هي نتاج “وهم المهارة” الذي اعترف محمد جواد ظريف بأنه خنق الدبلوماسية لصالح “الميدان” الذي بدأ يتلاشى الآن. واليوم، لم يعد التهديد خارجياً فحسب، بل بات استقرار إيران الوطني في مهب الريح نتيجة الفجوة الهائلة بين “أنا” النظام المتضخمة وواقع الانهيار المعيشي.
إن سقوط “المشروع العابر للحدود” يؤسس لميلاد هندسة إقليمية جديدة تقوم على “تصفير الأيديولوجيا” لصالح “تعظيم التنمية”. وفي هذا السياق، يبرز النظام السوري الجديد كحلقة وصل محورية تعيد ربط المشرق العربي بعمقه الخليجي والمتوسطي.
إن الفراغ الذي خلفه الانكفاء الإيراني ستملؤه تحالفات اقتصادية وأمنية صلبة تجمع دمشق بجيرانها في الرياض وعمان والقاهرة. هذا “التحالف الواقعي” سيعيد تعريف السيادة السورية بعيداً عن “محور المقاومة”، ليحولها إلى منطقة استقرار وجذب للاستثمارات، مما يقطع الطريق نهائياً على أحلام “الهلال الإيراني” ويستبدله بـ “مثلث استقرار” إقليمي يضع مصالح الشعوب فوق أوهام الهيمنة.
التعليقات