كلاوزفيتز في طهران: كيف تُفهم الحرب حين يتقدم السلاح وتتأخر السياسة

22 مارس 2026

عزت إبراهيم. كاتب مصري 

يقدم مقال للخبير العسكري جون سبنسر قراءة تحليلية للحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران من خلال استدعاء الإطار النظري للمفكر البروسي كارل فون كلاوزفيتز، كما ورد في كتابه On War. ينطلق النص من منهج كلاوزفيتز القائم على فهم الحرب بوصفها امتدادا للسياسة، ويؤكد أن تحليل أي صراع لا يبدأ بالنظريات الجاهزة، بل بتحديد الهدف السياسي، وتتبع العلاقة بين الوسائل العسكرية والنتائج الفعلية على الأرض، في ظل حالة دائمة من عدم اليقين.

ويبرز المقال أهمية مفاهيم كلاوزفيتز الأساسية مثل “مركز الثقل” و”ضباب الحرب” و”نقطة الذروة”، في قراءة مسار العمليات العسكرية واحتمالات تطورها. كما يحذر من مخاطر الخلط بين النجاح التكتيكي والنجاح الاستراتيجي، مشيرا إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تحقيق التفوق العسكري، بل في الحفاظ على اتساقه مع الأهداف السياسية، وتجنب الانزلاق نحو توسيع الحرب بما يتجاوز حدودها المعلنة.

إذا كان كارل فون كلاوزفيتز حيا اليوم، وهو يشاهد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، فلن يبدأ بتحليل شعاراتي أو بنماذج جاهزة كما يفعل كثير من المعلقين المعاصرين. بل سيعود إلى منهجه الصارم الذي وضعه في كتابه On War، حيث يبدأ الفهم الحقيقي للحرب من الوقائع، ثم يتتبع أسبابها، ويقيمها في ضوء الهدف السياسي الذي يحكمها.

أول ما سيسأل عنه كلاوزفيتز هو: ما هو الهدف السياسي؟ في تصريحات دونالد ترامب، يبدو أن الهدف المعلن هو تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، تحييد بنيتها الصناعية العسكرية، ومنعها من امتلاك سلاح نووي، مع حماية الحلفاء في الشرق الأوسط. هذا يعني أن الحرب، في تعريف كلاوزفيتز، ليست “محدودة” من حيث العنف، بل من حيث الهدف. فهي حرب شديدة التدمير، لكنها لا تستهدف – حتى الآن – إسقاط النظام بالكامل. وهذه نقطة مركزية، لأن طبيعة الهدف تحدد طبيعة الحرب نفسها.

لكن كلاوزفيتز سيحذر فورا من أن الأهداف المعلنة قد تتغير تحت ضغط النجاح. فكل انتصار عسكري يحمل في داخله إغراء توسيع الأهداف. هنا يكمن الخطر الاستراتيجي: التحول من حرب محدودة إلى حرب مفتوحة دون إعادة تعريف العلاقة بين الوسائل العسكرية والغاية السياسية. هذا ما حدث في العراق بعد 2003، عندما تحولت الحرب من إسقاط النظام إلى محاولة إعادة بناء الدولة، فتغيرت قواعد اللعبة بالكامل.

في تحليله لمفهوم “مركز الثقل”، سيحاول كلاوزفيتز تحديد أين تكمن قوة إيران الحقيقية. الضربات الأمريكية والإسرائيلية ركزت على القيادة، شبكات القيادة والسيطرة، القدرات الصاروخية، والبنية الصناعية الدفاعية. هذا يشير إلى أن التقدير الغربي يرى أن مركز الثقل يكمن في قدرة النظام على اتخاذ القرار وتنفيذ القوة. لكن من منظور إيراني، قد يتحول مركز الثقل إلى شيء مختلف تماما: القدرة على الصمود، الشبكات غير المتناظرة، والوكلاء الإقليميون. وهنا تظهر فجوة كلاسيكية في الحروب: كل طرف يرى مركز ثقل الآخر بشكل مختلف.

كلاوزفيتز سيولي اهتماما خاصا لما سماه “ضباب الحرب” — أي حالة عدم اليقين التي تحيط بكل قرار عسكري. في حرب جارية، المعلومات ناقصة، والتقارير منحازة، والدعاية حاضرة بقوة. لذلك، سيحذر من الثقة الزائدة في التقييمات المبكرة، وسيدعو إلى تواضع تحليلي صارم. فثلاثة أرباع ما تعتمد عليه القرارات في الحرب، بحسبه، محاط بالغموض.

في الوقت نفسه، سيلاحظ أن الحرب الحالية تعكس بوضوح مبدأي السرعة والتركيز. الضربات المكثفة والسريعة تهدف إلى شل قدرة الخصم قبل أن يعيد تنظيم نفسه. التكنولوجيا الحديثة سمحت باستهداف مراكز القرار بشكل مباشر، وهو ما لم يكن ممكنا في زمنه، لكن المنطق الأساسي لم يتغير: الحرب تظل صراعا بين إرادتين.

ومع ذلك، سيطلق كلاوزفيتز تحذيره الأكثر أهمية: نقطة الذروة. أي اللحظة التي يتحول فيها استمرار الهجوم من مصدر قوة إلى مصدر خطر. في هذه الحرب، قد تكون مؤشرات هذه النقطة بدأت في الظهور: تصاعد الهجمات الإيرانية غير المباشرة، ضرب البنية التحتية للطاقة، تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة عالميا. كل هذه عوامل قد تجعل استمرار العمليات العسكرية أقل فائدة سياسيا، وأكثر كلفة استراتيجيا.

سيطرح أيضا سؤالا محوريا: هل العمليات العسكرية لا تزال تخدم الهدف السياسي، أم بدأت تنفصل عنه؟ إذا استمرت الضربات دون تحقيق نتيجة سياسية واضحة، أو إذا أدت إلى توسيع الصراع إقليميا، فإن العلاقة بين السياسة والحرب – التي اعتبرها كلاوزفيتز جوهر الاستراتيجية – تكون قد اختلت.

ومن زاوية أخرى، سيراقب العلاقة بين القادة السياسيين والعسكريين. بالنسبة له، السياسة يجب أن تقود الحرب، لا أن تنقاد لها. لكن هذا يتطلب من السياسيين فهما عميقا للحرب، ومن العسكريين فهما دقيقا للهدف السياسي. أي خلل في هذا التوازن يؤدي إلى فشل استراتيجي، حتى لو تحقق نجاح تكتيكي على الأرض.

في النهاية، لن يقدم كلاوزفيتز “إجابة” جاهزة لهذه الحرب. بل سيعيد طرح الأسئلة الأساسية التي يجب أن تحكم أي تحليل جاد:
ما الهدف السياسي الحقيقي؟
ما نوع الحرب التي نخوضها؟
أين مركز ثقل العدو؟
هل الوسائل المستخدمة تحقق نتائج ملموسة؟
هل نحن نقترب من النجاح أم من نقطة الذروة الخطرة؟

وهنا تكمن عبقريته. فهو لم يمنح العالم وصفة للنصر، بل طريقة للتفكير. وفي حرب معقدة مثل هذه، قد يكون هذا المنهج أكثر أهمية من أي نظرية حديثة أو تحليل سريع.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

المغرب ودروس الحرب..

عمر العمري ما الذي ينبغي للمغرب أن يستفيده من الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران؟ نحن لسنا بعيدين عن هذه الحرب، ولا توجد دولة في العالم في منأى تام عن ارتداداتها، فمن لم تمسه نيرانها مباشرة، ستبلغه آثارها الاقتصادية والمادية بدرجات متفاوتة، في ظل مسار إقليمي ودولي مفتوح على أكثر […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...