كرة القدم بين المتعة الرياضية وتقاطعات السياسة
محمد علي لعموري
تُعدّ كرة القدم من أكثر الظواهر الاجتماعية انتشارًا وتأثيرًا في المجتمعات المعاصرة، إذ تتجاوز كونها مجرد لعبة رياضية لتصبح فضاءً رمزيًا يجمع ملايين الأفراد حول قيم الانتماء والفرح الجماعي. غير أن هذا الحضور القوي يفتح، بالضرورة، نقاشًا مشروعًا حول علاقة كرة القدم بالسياسات العمومية وحدود توظيفها في المجال العام.
في السياق المغربي، يلاحظ المتتبع حجم الاهتمام المؤسساتي الكبير بكرة القدم مقارنة بباقي الرياضات، سواء من حيث البنيات التحتية أو التمويل أو الحضور الإعلامي.
هذا الاختيار، الذي لا يمكن فصله عن الطابع الجماهيري للعبة، يعكس إدراكًا رسميًا لقدرتها على توحيد المشاعر الجماعية وصناعة لحظات إجماع نادرة في مجتمع متعدد الاهتمامات والانشغالات.
المدرب الوطني، بوصفه فاعلًا تقنيًا، يضطلع بدور مركزي في تحقيق النتائج الرياضية التي ينتظرها الجمهور. غير أن تحميله وحده مسؤولية النجاحات أو الإخفاقات يُخفي في أحيان كثيرة طبيعة المنظومة الكروية بأكملها، والتي تتداخل فيها القرارات التقنية مع الخيارات الاستراتيجية والتدبيرية.
من جهة أخرى، تشكّل المدرجات فضاءً مفتوحًا للتعبير والانفعال، حيث يجد الشباب متنفسًا للتفريغ العاطفي، في سياق اجتماعي يتسم بتراكم الضغوط الاقتصادية والرمزية. هذا التعبير، في حد ذاته، يظل مشروعًا ومفهومًا، بل يشكل جزءًا من الدينامية المجتمعية الطبيعية المرتبطة بالرياضة.
غير أن الإشكال يبرز حين تتحول كرة القدم إلى الإطار شبه الوحيد لتصريف الغضب أو صناعة الفرح، في مقابل تراجع فضاءات النقاش العمومي حول القضايا الاجتماعية والاقتصادية الكبرى. فالفرح الكروي، مهما كان صادقًا، يظل لحظة عابرة، بينما تظل الأسئلة المرتبطة بالتنمية والعدالة الاجتماعية مطروحة بإلحاح.
إن المقارنة بين طريقة التعاطي مع الاحتفالات الرياضية والتعبيرات الاحتجاجية ذات الطابع الاجتماعي تطرح بدورها أسئلة حول معايير تدبير الفضاء العام، وحدود التعبير المسموح به في كل سياق. وهي أسئلة لا تستهدف التشكيك، بقدر ما تهدف إلى توسيع أفق النقاش العمومي في إطار من المسؤولية والاحترام.
ختامًا، لا يمكن إنكار الدور الإيجابي لكرة القدم في تعزيز الإحساس بالانتماء الوطني وصناعة لحظات جماعية جامعة. غير أن الرهان الحقيقي يظل في تحقيق توازن واعٍ بين تشجيع الرياضة بوصفها مجالًا للمتعة والتنافس، وبين تعزيز ثقافة المشاركة المدنية والنقاش العمومي حول السياسات العمومية. فالمجتمع القوي هو ذاك الذي يفرح بانتصاراته الرياضية، دون أن يغفل عن التفكير في رهاناته الكبرى.
التعليقات