كرة القدم بين العولمة والجيوسياسية: صراع القوة والنفود
محمد احدو
لم تعد كرة القدم مجرد نشاط ترفيهي محكوم بقواعد اللعب، بل تحولت في العصر الحديث إلى منظومة عولمية متكاملة تتداخل فيها الرياضة بالسياسة والاقتصاد، لتصبح مرآة عاكسة للعلاقات الدولية ومحركاً لها. إن منظومة “الفيفا”، بما تملكه من نفوذ عابر للقارات، أصبحت بمثابة “سلطة دولية موازية” تدير شبكة معقدة من المصالح، حيث لم يعد هدف اللعبة تسجيل الأهداف فحسب، بل صناعة النفوذ وتشكيل الخارطة الجيوسياسية الجديدة.
تتجلى ثقل هذه المنظومة اليوم في تحول التظاهرات الرياضية الكبرى إلى “ستار دخاني” تُصاغ خلفه القرارات السياسية الكبرى بعيداً عن أعين الشعوب . وتُعد تجربة أمريكا اللاتينية (كالأرجنتين عام 1978) نموذجاً واضحا لكيفية استغلال الأنظمة لحالة “الاستلاب العاطفي” للجماهير لتمرير مشاريع أو قرارات . فبينما كانت الشعوب تنغمس في نشوة الانتصارات، كانت الدول تقدموعلى ترتيبات مصيرية تُتخذ في ظل الاستيلاب الرياضي ، مستفيدة من صمت منظومة الفيفا التي غالباً ما غلبت منطق “اقتصاديات الاستقرار” على قيم حقوق الشعوب.
وعلى الصعيد الاقتصادي، اندمجت كرة القدم كلياً في المنظومة الرأسمالية العالمية، لتتحول إلى صناعة ثقيلة تُقدر بمليارات الدولارات. فمن خلال حقوق البث العابرة للحدود ورعايات الشركات متعددة الجنسيات، أصبحت الكرة قطاعاً إنتاجياً يسهم في تشكيل التحالفات الدولية. هذا التشابك المالي جعل من اللعبة أداة “للتدافع السياسي”؛ حيث تُستخدم الاستضافات كقوة ناعمة لتلميع الصور الذهنية للدول، أو كمنصات لتصفية الحسابات الجيوسياسية بطرق منضبطة رياضياً.
من هنا يمكن القول عموما إن كرة القدم قد انتقلت من كونها “لعبة الشعوب” إلى أن تصبح مختبراً للعولمة وآلية للتحكم الاجتماعي. فهي المنصة التي تتقاطع فيها العواطف القومية الصادقة مع الاستراتيجيات السياسية البراغماتية، مما يجعلها المقياس الأكثر دقة لفهم تعقيدات العالم المعاصر، حيث يختلط فيها طموح التحرر الشعبي بمناورات القوى الكبرى التي تصيغ التاريخ في خضم صخب المدرجات.
التعليقات