قول في الجدل حول اعتماد الحساب الفلكي بخصوص دخول شهر رمضان

19 فبراير 2026

عبد الله القيسي

الرأي القائم على اعتماد الحساب الفلكي في تحديد دخول شهر رمضان يتقدّم عامًا بعد عام في حضوره وتأثيره على الواقع الإسلامي، ويبدو أن المسألة مسألة وقت حتى يترسّخ أكثر في وعي المؤسسات والمجتمعات. لكنّ المعتمدين له ليسوا على منهج واحد، فمنهم من يأخذ به جزئيًا فيجعله مساعدًا للرؤية أو ضابطًا لها، ومنهم من يعتمده اعتمادًا كليًا مستقلًا عن اشتراط الرؤية البصرية، وهذا التفاوت في منهج التوظيف هو أحد أسباب استمرار الخلاف.

ثم إن القائلين بالحساب الفلكي انقسموا من جهةٍ أخرى إلى اتجاهين: اتجاه يدعو إلى تقويمٍ أحادي يوحّد العالم الإسلامي كله على يومٍ واحد صومًا وفطرًا، واتجاه آخر يقول بـ التقويم الثنائي الذي يقسم العالم إلى نصفين (شرقي وغربي)، مراعاةً لفروق المطالع.

أما الذي تم اعتماده في مؤتمر إسطنبول عام 2016، بمشاركةٍ إسلامية من هيئات علمية وفقهية وفلكية، فهو الأخذ بالتقويم الأحادي للعالم الإسلامي، بحيث يصوم المسلمون جميعًا في يومٍ واحد ويفطرون في يومٍ واحد، تحقيقًا لمقصدٍ من مقاصد الشريعة في وحدة الأمة واجتماعها في هذه الشعيرة الجامعة. وهذا هو المنهج الذي تعتمده تركيا ومجلس الإفتاء الأوروبي.

وسأضع بين أيديكم خلاصة ما كتبته سابقًا في وجوه الإستدلال على اعتبار الحساب الفلكي والتقويم الآحادي في تحديد بداية رمضان:

أولًا: الحساب حاضر في الممارسة اليومية للصوم

نحن نحدّد بداية الإمساك ونهاية الصيام في كل يوم اعتمادًا على الحساب الفلكي، رغم وجود النص القرآني: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.

ولم يخرج المسلمون كلَّ فجرٍ ليتبيّنوا الخيط الأبيض بأعينهم، بل قبلوا بالحساب الفلكي والجداول الدقيقة لتحديد وقت الإمساك عند الفجر ووقت الإفطار عند المغرب، وبنوا عليها عباداتهم، واطمأنّوا إلى دقتها، ولم يروا في ذلك خروجًا عن النص ولا تعدّيًا على السنة. فإذا كان الحساب قد قُبل في تحديد بداية الإمساك والإفطار داخل يوم الصيام نفسه، فإن رفضه عند تحديد بداية الشهر تناقض ظاهر.

ثانيًا: أوقات الصلوات تعتمد على الحساب

حين نتأمل طريقة تحديد أوقات العبادات التي ارتبطت في أصلها بالظواهر الكونية. نجد أنها تعلقت بحركة الشمس وتعاقب الضوء والظلمة، فارتبط الفجر بظهور الخيط الأبيض وهو بداية شفق النهار قبل شروق الشمس، وارتبط الظهر بزوال الشمس عن كبد السماء، وارتبط العصر بتغير ظل الشمس مثله أو مثليه، وارتبط المغرب بغروب الشمس، وارتبط العشاء بذهاب الشفق الأحمر بعد غروب الشمس. ومع ذلك، لم يخرج المسلمون يوميًا للمعاينة الحسية المباشرة لهذه العلامات كل يوم، وإنما قبلوا بالحسابات الفلكية والجداول الزمنية الدقيقة التي تحدد هذه الأوقات اعتمادًا على قوانين حركة الشمس، وبنوا عليها عباداتهم بثقة واطمئنان، دون أن يُعدّ ذلك خروجًا عن السنة. وإذا كان الحساب قد قُبل في تحديد أوقات الصلوات، وهي عبادات يومية متكررة، فلماذا نتردد في قبوله عند تحديد دخول الشهر القمري للصوم؟

ثالثًا: صلاة الكسوف تعتمد على الحساب

يعتمد الفقهاء اليوم على الحسابات الفلكية في تحديد أوقات كسوف الشمس والقمر، فيُعلَن عنها مسبقًا، ويستعد الناس لأداء صلاة الكسوف دون انتظار تحقق الرؤية البصرية. فالمراصد الفلكية تحدد توقيت هذه الأحداث بدقة تصل إلى الثانية، ويأتي الواقع مطابقًا لها. وقد استقر العمل بذلك بين المسلمين دون حرج أو تشكيك. فإذا كان هذا العلم موضع ثقة في هذه الأحداث السماوية فإن الاعتراض على الإفادة منه في تحديد ولادة الهلال تناقض واضح.

رابعًا: الرؤية في الحديث… وسيلة أم غاية؟

يمكن فهم الحديث النبوي: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» في سياقه التاريخي، باعتبار أن الرؤية كانت وسيلة عملية متاحة لضبط بداية الشهر، لا غاية تعبّدية مقصودة لذاتها. إذ لو كانت الرؤية مقصودة على نحو تعبّدي مستقل، لكان مقتضى القياس إلزامها كذلك في معرفة بداية الإمساك والإفطار لكل يوم من أيام رمضان، وفي تحديد أوقات الصلوات المرتبطة بحركة الشمس، وفي إثبات الكسوف والخسوف، وهو ما لم يقل به أحد من الفقهاء.

خامسًا: مقصد وحدة الأمة واجتماعها

اعتماد الحساب الفلكي يحقق مقصدًا مهمًا من المقاصد الكلية للتشريع، وهو وحدة الأمة واجتماعها، وخاصة في الشعائر الجامعة التي تتعلق بانتظام الزمن التعبّدي للمسلمين.

وشهركم مبارك.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...