قضية أبو عبيدة تفضح تهافت العدل والإحسان
تحرير: صفاء فتحي
كشفت التفاعلات التي أعقبت الإعلان عن مقتل أبو عبيدة، الناطق العسكري باسم كتائب القسام، حجم الارتباك الذي يطبع أداء بعض التنظيمات المغربية في التعاطي مع القضية الفلسطينية، وعلى رأسها جماعة العدل والإحسان. وهو ارتباك لا يرتبط بمبدأ التضامن في حد ذاته، بقدر ما يعكس نزوعا واضحا إلى الاستثمار الرمزي الضيق في حدث إنساني وسياسي بالغ الحساسية.
اختارت الجماعة، كعادتها، الانسحاب إلى فعل منفرد حين دعت أتباعها إلى أداء صلاة الغائب خارج المساجد يوم الجمعة 2 يناير. بدا هذا السلوك أقرب إلى تمرين تنظيمي داخلي منه إلى تعبير جماعي عن موقف وطني جامع. ورغم الترويج المكثف عبر منصات التواصل الاجتماعي، لم تحظ المبادرة بأي امتداد شعبي يذكر، كما لم تترك أثرًا سياسيا ملموسا، لتظل حبيسة الفضاء التنظيمي المغلق.
تعكس هذه الخطوة مرة أخرى نزوع العدل والإحسان إلى احتكار ما تعتبره “النقاء النضالي”، حتى وإن كان ذلك على حساب وحدة الفعل التضامني، فبدل الانخراط في مبادرات مشتركة قادرة على توسيع دائرة الضغط الرمزي والسياسي، فضلت الجماعة تكريس منطق الاستثناء، وكأن القضية الفلسطينية لا تخدم إلا عبر طقوس خاصة ومنفصلة عن السياق العام.
في المقابل، تزامن هذا السلوك مع وقفة احتجاجية نظمها الائتلاف الوطني من أجل فلسطين أمام البرلمان بالرباط، وهي وقفة مرخصة قانونيا، لكنها عانت من ضعف الحضور ومحدودية التعبئة، غير أن هذا الضعف لا يمكن قراءته بمعزل عن غياب فاعلين أساسيين في المشهد، وفي مقدمتهم العدل والإحسان، التي آثرت التموقع في الهامش بدل المساهمة في بناء لحظة نضالية جامعة.
أدت هذه الاختيارات الفئوية إلى إضعاف صورة التضامن المغربي مع فلسطين إلى سلسلة من التحركات المتفرقة، تفتقر إلى الزخم الجماهيري والنفس السياسي. وحين تتقدم الحسابات التنظيمية الضيقة على القضايا الإنسانية الكبرى، يتحول التضامن إلى مجرد شعار مستهلك، وتفقد المواقف معناها العملي والرمزي.
كما فضحت الواقعة تآكل الخطاب التعبوي للجماعة، التي لطالما قدمت نفسها باعتبارها قوة قادرة على الحشد والتأثير في الشارع، فلا الحشود حضرت، ولا التفاعل الشعبي تحقق، ولا المبادرة خرجت عن إطار صور مؤطرة بعناية، في مشهد يعكس انفصالا متزايدا بين الخطاب المعلن والتحولات الاجتماعية والسياسية الجارية.
وبات واضحا أن توظيف القضية الفلسطينية بهذا الشكل لا يخدمها بقدر ما يحوّلها إلى أداة للركوب على الموجة وتسجيل المواقف الرمزية. فالتضامن الحقيقي يقتضي تنسيقا جماعيا بين مختلف الفاعلين السياسيين والنقابيين والمدنيين، بعيدا عن منطق الاستعراض أو الاستثمار التنظيمي، لأن القضايا العادلة لا تحتمل التوظيف ولا تُختزل في مبادرات معزولة أو خطابات منفصلة عن واقع الفعل الجماعي.
التعليقات