قضايا جيوسياسية أعقد من خطاب “أسلمة المعرفة”

21 أبريل 2026

منتصر حمادة

من الظواهر البحثية التي أساءت كثيرا للمشهد الفكري في المغرب والمنطقة العربية، معضلة انتقال علاقة الشيخ والمريد من مجال الإسلاميات، إلى مجال الإنسانيات، ونقصد بذلك أن مقتضيات تلك العلاقة، الجاري بها إجمالا في العلاقات بين التيارات الدينية، من قبيل الحركات الإسلامية، الإخوانية والسلفية، والطرق الصوفية وغيرها، عوض أن تبقى محصورة في الفضاء التنظيمي، انتقلت إلى الحقل البحثي.

لم تقتصر على الأبحاث والدراسات التي تهم حقل الإسلاميات، أو الدراسات الإسلامية، وإنما انتقلت إلى حقل العلوم الإنسانية، مع اقتحام الأقلام البحثية الإسلامية، لعلوم الاجتماع والفلسفة والمنطق، وزاد الأمر استفحالا مع إطلاق مراكز “أسلمة المعرفة” خلال العقدين الماضيين على الخصوص، ونقصد بالتحديد الموجة الثانية من الظاهرة، أي تلك التي بزغت بعيد أحداث 11 شتنبر 2001، مع تأسيس مراكز بحثية إخوانية وسلفية عدة، وغيرها، تشتغل على العلوم الإنسانية، بأفق ينتصر لمرجعيتها الإيديولوجية.

ساهمت ظاهرة “الصحوة الإسلامية” في استفحال الظاهرة، لكن الظاهرة نفسها أفرزت، في مجال التفاعل البحثي والإعلامي مع أحداث الساحة، ظواهر أخرى أساءت كثيرا إلى قضايا المنطقة العربية المصيرية، ونخص بالذكر تكالب أهل الإسلاميات على التفاعل البحثي الإعلامي مع قضايا سياسية وجيوسياسية بالغة التعقيد، تلك التي تهم الوطن العربي، انطلاقا من تلك المرجعية، والنموذج هنا مع الباحثين والإعلاميين القادمين من المرجعية الإسلامية، سواء كانوا أعضاء فيها أو كانت لديهم تجارب معها، من المشتغلين في حقول علوم الحديث والمقاصد ومقارنة الأديان وأصول الفقه… إلخ، ممن يعلقون ويتفاعلون مع تلك القضايا الجيوسياسية المعقدة، تأسيسا على العدة النظرية للحقول العلمية التي يشتغلون فيها.

لا يقتصر الأمر هنا على انخراط هؤلاء في الإدلاء بتلك المواقف من خلال المنصات الرقمية، وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي، فهذا شأنهم الخاص في نهاية المطاف، إضافة إلى أن المواقع نفسها تتيح حضور الجميع، من مختلف المرجعيات، ثم إن الناس أحرار في الاعتقاد، فالأحرى في الإدلاء، بآراء سياسية في منصات رقمية تتميز بارتفاع مؤشرات حرية التعبير، على الأقل حسب ما تسمح به خوارزمياتها.

لكن الأمر مختلف عندما يتعلق الأمر بتمرير تلك المواقف والخوض في التفاعل والتعليق على قضايا جيوسياسية لا تحتمل الاختزال، انطلاقا من عدة نظرية بعيدة كليا عن تفقه تعقيدات أحداث الساحة، ويزداد الأمر تعقيدا عندما تتم استضافة هذه الأسماء في المنابر الإعلامية والمؤتمرات والندوات، مع ترويج تلك الآراء في مواقع التواصل الاجتماعي دونما اعتبار لمحددات القراءة المركبة الخاصة بأحداث مصيرية تهم المنطقة العربية، كما عاينا ذلك في محطات عدة، من قبيل اندلاع حرب الخليج الثانية في مطلع 1991، واعتداءات نيويورك وواشنطن، وإسقاط نظام صدام حسين، وأحداث 2011، وتبعات 7 أكتوبر 2023، والحرب القائمة حاليا في المنطقة بين الثلاثي الأمريكي والإسرائيلي والإيراني.

ليس هذا وحسب، إضافة إلى تغلغل أقلام الظاهرة في المنصات الإعلامية والمؤتمرات والندوات من أجل التعليق على قضايا أعقد من العدة النظرية التي تميز مجال اشتغالهم، انتقلنا إلى معضلة موازية، عنوانها تأسيس تجمعات باحثين ودعاة ووعاظ، وإطلاق أسماء وألقاب ظاهرها علمي على التجمع أو المنتظم نفسه، بينما الأمر لا يعدو أن يكون تجمعا تابعا لمرجعية إسلامية حركية، ومع استغلال الجهل السائد في الساحة العربية، لدى الرأي العام على الخصوص، حول ماهية هذه الهيئات والمنظمات، يتم ترويج آراء ومواقف وبيانات هذه الهيئات كما لو كانت ناطقة باسم مسلمي المنطقة، أو باسم نسبة معتبرة من مسلمي العالم، وما أكثر الأمثلة في هذا السياق، قد يكون أهمها، ما يصطلح عليه بـ”الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين”.

واضح أن ظاهر هذا الاسم يثير الهيبة بالنسبة للرأي العام العربي، خاصة أن الرأي العام نفسه، لا علاقة له بتعقيدات المشهد الديني في المنطقة العربية، ولا بالحساسيات الإيديولوجية والطائفية والولاءات، لكن باطن الاسم نفسه، بالنسبة للمتتبعين، يفيد بأننا إزاء منظمة إسلامية حركية، تابعة أو موالية أو على الأقل محسوبة على المشاريع “الإخوانية”، والحال أن التدين “الإخواني” هو نمط من أنماط التدين في المنطقة – بصرف النظر عن تناقضات مواقف أتباعه من أحداث الساحة، كما هو الحال مع مواقفهم من الحرب سالفة الذكر – على غرار وجود أنماط من أنماط التدين، من قبيل التدين السلفي والتدين الصوفي، وبالتالي، هذا التدين المجسد في التنظيم الدولي المعني، لا يمثل إلا نفسه، ولا يمكن قط أن يكون ناطقا باسم أكثر من مليارين من المسلمين.

أما حكاية توظيف قوى إقليمية وقوى دولية للهيئات نفسها، كما جرى مع تبعات أحداث الغزو السوفياتي لأفغانستان ابتداء من عام 1979 أو ما جرى في أحداث 2011، فإنها وقائع تؤكد بعض القلاقل المرتبطة بالظاهرة موضوع هذه المقالة، أي جرأة أقلام حقل الإسلاميات على تكريس تزييف وعي العامة بخصوص تعقيدات قضايا وأحداث مصيرية تمر منها المنطقة العربية، ولا تحتمل هذا التزييف والاختزال!

 

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

أي مغرب نحتاج بعد الحرب؟

عمر العمري تفرض الحرب المدمرة التي دارت خلال الأسابيع الماضية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران و”حزب الله” من جهة أخرى، على المغرب، وهو يراقب من أقصى الغرب العربي هذا التحول العنيف في موازين الصراع، وقفة تأمل عميقة لاستخلاص العبر، ومراجعة الواقع الوطني، وتشخيص مجالات النقص والضعف، وصياغة عناصر القوة التي ينبغي بناؤها في […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...